كاثرين باكر وأليس روتشيلد
الصورة: ملصق للفنان الفلسطيني محمد حسونة
ترجمة صالح الرزوق

“نحن نحتضر والعالم يراقب”
“نحن نموت…أتمنى لو عندي رفاهية تخيل شيء إيجابي. حتى هذا حرمونا منه”.
“لطفا هل بمقدورك نشر الحكايات المرفقة بعد موتي؟”.
هذا هو نوع العبارات التي يتلقاها الآن المشرفون على مشروع “نحن لسنا أرقاما WANN” من شباب غزة، بشكل إيميلورسائل صوتية ورسائل نصية وذلك من خلال عدة قنوات تواصل منها واتس أب، وفيس بوك، وإنستغرام.
أقام المشرفون، وهم كتاب محترفون في الولايات المتحدة وأوروبا، علاقات مع غزاويين، ونقحوا مقالاتهم لتكون صالحة للنشرعلى الإنترنت وبقية المنصات الإعلامية.
قدم WANN لحوالي 350 كاتبا شابا تدريبات صحافية امتدت عدة شهور، وعرفوهم على كتاب يتقنون الكلام باللغة الإنكليزية، لتنقيح مقالاتهم وتقاريرهم. ونشر حتى الآن ما يزيد على 1000 حكاية على موقع WANN، مع دعمها بالوسائط الاجتماعيةالنشيطة. وتابع العديد من هيئة WANN بصفة كاتب مستقل أو انضموا لمهنة الصحافة. وأعضاء WANN، وهو الاسم الذيعرفوا به، أساسا من غزة، ولكن آخرون من الجماعة الحالية يعيشون في المناطق الفلسطينية المحتلة، ولبنان، وماليزيا، والولايات المتحدة، وتركيا. بالعادة كان الكتاب الذين انضموا إلى WANN في بواكير عشرينياتهم: والعديد منهم طلاب جامعة، آخرون يعملون في حقل التعليم، والترجمة، وبرمجة الكومبيوترات، والعلوم، والرعاية الصحية، وسواها من الحرف. وعدد منهمآباء.
كتب أعضاء WANN مقالات عن موضوعات متعددة، مثل امتحانات القبول بالجامعة، شواطئ البحار، أشجار الزيتون، والمعلمين الملهمين. وسجل كتابنا تعليقات على كأس العالم، ودونوا بروفيلات عن الفنانين والمهندسين المحليين، ووصفواأعاجيب أبنية غزة القديمة، وحللوا علاقة شكسبير بحياتهم. أما أعضاء WANN من خارج غزة فقد شاركوا بمقالات عن تجربةحياتهم في الدياسبورا. ولكن غالبا كتبوا عن فلسطين تحت ظروف الاحتلال، وعن غزة تحت ظرف الحصار والقصف العسكريالمتكرر. والحرب في هذه الأيام هي موضوعهم الوحيد. وهم يحاولون جهدهم الحفاظ على التواصل مع الأصدقاء والعائلة. وحسبمعلوماتنا أن 20 كاتبا من جماعة WANN الحالية والجماعة السابقة كانوا يتواصلون مع المشرفين عليهم طيلة شهر تشرينالأول وهم تحت القصف. وقد عملت المشرفة ميشيل ليرنر Michelle Lerner مع سبع كتاب، وحتى قبل الأوضاع الراهنة، تواصلت مع بعضهم على أساس يومي تقريبا. كتبت في مقالة نشرت يوم 17 تشرين الأول في ذي هيل The Hill: “أنا مستعدةلتقديم العون لإنجاز مقالاتهم، وأيضا طلبات المنحة، وتقديم النصوص للمجلات، ومسائل عملية أخرى. وقرأت قصائدهم وقصصهمالقصيرة، وشاهدت صور أصدقائهم وعائلاتهم، وتحادثت معهم مطولا عن حياتهم وحياتي. وطلبوا نصيحتي عن أمور شخصية، وحينما تدهورت صحتي، تابعوا باهتمام أخباري“.
وسارة جاكوبوس Sarah Jacobus مشرفة تتواصل حاليا مع ثماني أعضاء من WANN. وقد عرضت علينا بعض الرسائلالتي تلقتها من أحدهم. وهي:
7 تشرين الأول [8:47 مساء] نقدر رسالتك فعلا. نحن نقول الحقيقة، الوضع هنا غير مستقر، ولا أحد بمنجى عن القصف في أيلحظة، والأيام القادمة أصعب. والأصوات التي نسمعها تشبه فيلما عن “نهاية العالم“. والمشاهد التي نراها على الوسائطالاجتماعية تفطر القلب جدا. ونحن لا نتمناها لأحد أبدا. ولكن في النهاية نحن أحياء وبأمان حتى اللحظة، وسأكون معك لأنقل لكمعاناتنا.
10 تشرين الأول: [8:11 مساء] لن أكذب عليك. لست على ما يرام. لثماني ساعات وأنا أترجم في البيت أخبار المذبحة ومنذبداياتها. ومن الطبيعي أن يجبرني ذلك على ملاحظة كل دقائق ما يجري. وهذا ما يجعلني أشعر أنني ميتة من الداخل. لا أحد بأمانمن القصف، ولا يوجد مكان يوفر لنا ملجأ. وأفظع مشكل واجهناه هو ما يلي. [8:19 مساء]. منذ ساعة مرت فقط، كنت مشغولةلحد الهوس بعملي، وتصادف أن وصلنا خبر عن أختي واكتشافها مع ابنها أحياء تحت أنقاض بيتها، فقد تعرض البناء المجاورلبيتها للقصف. وأصدروا الآن للبرج الذي تعيش فيه أختي الثانية “أمرا بالإخلاء“. ما تتعرض له غزة هو تطهير عرقي واسعتعجز الكلمات عن التعبير عنه. عموما الحمد لله على كل شيء، سواء كان خيرا أو شرا.
11 تشرين الأول: صلوا لأجلنا…
وعرضت علينا المشرفة كايت كاسا Kate Casa رسالة بلغتها صباح هذا اليوم:
17 تشرين الأول: شكرا لك كايت على دعمك. شكرا لله أني بأمان مع عائلتي حتى الآن. لسوء الحظ ما يحصل في غزة جنون تام، منذ أحد عشر يوما ونحن بلا كهرباء، ولا ماء، والطعام لا يكفي، والإنترنت متوقفة. صلي لنا 🙏.
بالإضافة لتبادل الرسائل مع المشرفين تمكن عدد من أعضاء WANN كتابة مقالات تحت القصف. وقد عملت إيمان أشرف الحاجعلي، وهي طالبة أدب إنكليزي وترجمة في جامعة غزة الإسلامية (هدمت حاليا)، مع مشرفتها على نشر مقال بغضون 48 ساعةبعد أول قصف.
كتبت في مقالة لها يوم 9 تشرين الأول وعنوانها “واقع غزة الصامدة: عصافير وأجراس إنذار وبقاء” ما يلي: ” إذا كان هناكشيء واحد أريد أن يسمع به الناس عن الحياة في ظل الاحتلال الإسرائيلي سيكون عن سرعة استبدال غناء العصافير بشخيرالصواريخ. عائلتي تستيقظ في معظم صباحات غزة على ألحان سمفونية العصافير الإسبانية التي تبارك نافذة مطبخنا. كانت أميتحث أخوتي الصغار برقة لتبدأ أيامنا بصلاة الفجر – ونستحم ببركة الله.. لكن يذكرنا صباح يوم 7 تشرين الأول عام 2023 أنطقوسنا مهما كانت مقدسة هي ليست آمنة“.
وكتب عبد الله الجزار بهاتفه “بيانا للتضامن مع غزة” وهو محبوس في بيت لجأ إليه على الأقل 40 شخصا. ورد فيه: “أن تكونحيا الآن لا يقل عن معجزة. وفرصة الكلام معك مباشرة ميزة وشيء غير ممكن أيضا. وربما حينما تصلك هذه الكلمات أكون قدمت. ولكن أؤكد لك لا يزال في وقتي متسع. الغزاويون تكلموا من قبورهم على أمل أن شخصا ما، ومكانا ما، سيستمع لهم فينهاية المطاف. هل أنا مسموع في هذه اللحظة؟ في اللحظة القادمة؟ في أي وقت من الأوقات؟”.
واعتاد شباب WANN الغزاويون أن يمزحوا مع بعضهم البعض قائلين: “عمري خمس كلمات. لدي إجازة بكالوريوس بالحب[حرب لقاء كل عام دراسي]، والآن دخلت في مرحلة الماجستير“.
كان أعضاء WANN مجرد أطفال يوم انتخبت حماس للسلطة عام 2005، لكن الآن عمرهم ست كلمات.
بكل المقاييس قصف إسرائيل لغزة في الوقت الراهن يتخطى بعدة مراحل أسوأ عدوان قامت به، ويحمل مواصفات جينوسايدمتواصل. وقع كتابنا الشباب في فخ غزة بطعامها ومياهها ووقودها المتراجع. وكذلك حال الكهرباء والنظافة وبنية الرعايةالصحية التي تحطمت. هذا غير تعرضها الدائم للقصف. وكما يظهر من كلمات مقالاتهم، أخبر العديد منهم مشرفيهم أنهم يتوقعونملاقاة حتفهم. وفي الحقيقة واحد منهم مات. ماهر يوسف دواس، صحافي ومصور وعازف غيتار واعد، قتل في يوم 14 تشرينالأول مع بقية أفراد عائلته.
ومع ذلك يتابعون الكتابة. “نحن لسنا أرقاما”، هكذا يعلن أبناء غزة الشباب.
الترجمة عن موقع موندو وايس.
- كاثرين بايكر Catherine Baker اكاديمية بالسياسة والاقتصاد. تعمل بالتدريس في جامعة هال البريطانية.
- أليس روتشيلد Alice Rotchild مخرجة أفلام أمريكية. أهم أعمالها “أصوات على طرفي الخندق”.
