خروتشوف في مصر

خروتشوف في مصر

اللوحة: الفنان المكسيكي دييجو ريفيرا

في برنامج شاهد على العصر، يَروي “مراد غالب” سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد السوفيتي، عن زيارة “خروتشوف” لمصر في عام 1964، وكان مصاحبا للرئيس السوفييتي في مصر، قال: نصح خروتشوف ناصر بعدة نصائح ولَيْته انْتبه لها، للأسف فعل عكس كل تلك النصائح، وعَلَّقَ (مراد غالب) قائلا: (إنَّ هؤلاء الزعماء لا يأتون صدفة، بل عنْ مؤهلات وتاريخ نضال، ولهذا يهتمون بالجَوْهر ولا يَغرّهم المَظْهر، وهذه الزعامة نِتاج خبرة وتجارب كبيرة).

نصحه خروتشوف بأن يهتم بزراعة القطن، وقال له: (إنَّ في القطن ميزة استخدام كل ما فيه، الثمرة والبذور والعيدان” فلا يوجد فيه أي فقد).

وعندما زار أبي زعبل ورأي المصانع والعمال وشاهد عدد العمال الكَثيف، قال: (هذه المصانع بحجمها وإنتاجها لا تتناسب مع هذا العدد الكبير للعمال، ليرجع أغلب هؤلاء العمال لبيوتهم وأعطوهم مُرتباتهم بلا عمل، هذا خير من أن يَظَلّوا في المَصانع لأنهم سوف يُخْرِبون المصانع والصناعة ويُعطلون الإنتاج)، فما كان من ناصر إلا أن قال لمراد غالب: “صاحبك لا يُدرك كيف تُدار بلادنا ولا طبيعة شُعوبنا، خذه واصحبه لمَحل إقامته.

ثم قال مراد غالب تبريرا لما نَقَده خروتشوف: نحن لا نملك موارد في بلادنا تُمَكِّنَّا من استغلال الكثافة السكانية فيها، فقال له خروتشوف: وهل تملك اليابان سوى البراكين والزلازل؟ اليابان لا تملك سوى الإنسان واستثمرته جيدا، عليكم أن تستثمروا الإنسان.

وكانت هذه الردود مُفْحمة ومدهشة من خروتشوف، لأنه كزعيم شيوعي من المتوقع أن يَغرَّه عدد العمال، فقد كان معلوما أنَّ الروس عندما يقيمون علاقات مع دول حليفة، يكون أول تطبيق هو تمويل بناء مصانع تحوي كتلة كبيرة من العمال، لأنَّ العمال هم بِنية الماركسية، ولكنه أيضا يدرك أن هناك فرق بين المظهر والجوهر، فالصناعة أولا ثم العمال، بينما في مصر كان القرار العمال أولا ثم نبني لهم مصانع كغُرَف تَحْويهم.

الأصل عندهم الصناعة والمصانع والإنتاج والثمرة، وعندنا المظهر دون الجوهر في أغلب ما نقلنا لبلادنا، نقلنا مظهر الديمقراطية من انتخابات وتصويت ولكن بلا شفافية، نقلنا مظهر الحضارة من بريق وبِناء وأضواء بلا صناعة وعِلم وإبداع.

لقد ارتدينا البدلة فوق الجَلابية؛ فكان الارتباك في الحركة، والضِيق في اللباس، والفوضى في المظهر، وتوالِي العثرات.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.