مع الكتابة والأدب

مع الكتابة والأدب

اللوحة: الفنان الفرنسي ألفريد برونيل دي نوفيل

فواز خيّو

دائما يصلني كتب؛ شعر أو قصة أو رواية، إهداءات من أصدقاء، مشكورين طبعا، وأنا أنظر للكتاب كمولود يجب أن يعيش طويلا، لا أن يقضي بالحصبة.

حين أتلقى كتابا أتخيل صاحبه يسألني عن رأيي فيه لاحقا، لهذا أشعر بالقلق خوفا من أن لا يشبعني الكتاب، فأشعر بالحرج لأني لا أستطيع المجاملة في قضايا الإبداع.

من حق كل مخلوق التجريب في اي نوع، لكن ليس من حقه تقديم انتاجه اذا لم يكن فيه اضافة للموجود، فالساحة تغص بالركام، ولا ينقصنا أبدا.. الابداع له طرفان هما المبدع والمتلقي.

ترى لو بقيت الجوكندا في الدرج فهل تساوي اكثر من لوح خشبي؟ الذي اعطاها قيمتها ليس صاحبها فقط، بل المتلقون والنقاد أصحاب الذوق الرفيع. وهكذا شعر المتنبي ودرويش وكل نتاج العظماء.

لا تستهن بنفسك أيها المتلقي، انت من يمنح القيمة للنتاج. فلماذا يصر البعض على أن يكون هو المبدع وليس لديه مقومات الابداع، كالموهبة والخيال وحدس الصياد وغيره؟

في السياسة ثمة مقولة مهمة وهي: أن تكون صانع الملوك خير من أن تكون الملك. فلماذا يلهث البعض وراء شهرة ستكون آنية وزائفة، لأنه لا يملك الرصيد؟ الأبيض سواء كان الورق او الكرتون، له صفة الطهر والقداسة، لا تهدروه، لا تضعوا فوقه شيئا إذا لم يكن بمستوى بياضه. 

لحظة الابداع حالة صلاة وتوحد، حالة اتصال بالمطلق اللا متناهي.. أعجب من رياضي متسابق يزج نفسه في سباق الماراتون، ولم تختمر تجربته أو يبرع في سباق ال 100م أو ال 200 م، أعجب من شاعر يحاول كتابة القصيدة الطويلة ولم يبرع في الفلاشات القصيرة أو اللقطة، أعجب من كاتب لم يبرع في القصة القصيرة، ويزج نفسه في عمل روائي. ليس كل شيء طويل مهم أيها السادة، الترانزستور والديود عصب العمل في الراديو وغيره، والمقاومات الصغيرة عصب العمل في كل الأجهزة الكهربية.

لنتخلص من عقدة اللقب الذي يغري الكثيرين (روائي).. عصب العمل الأدبي سواء شعر أو قصة أو رواية، هو الجملة الأدبية الدافئة الجميلة، والصورة المدهشة، وعنصر التشويق في القصة والرواية، وليس السرد، فأي سرد جاف هو عبء، وتستطيع أن تسمع أجمل منه من جدك أو جدته.

والقدرة على خلق عوالم وأشخاص أحياء يتحاورون ويعيشون، وتتركهم أنت لشأنهم في النص وتراقبهم وتتوقع من أي شخص فيهم ما سيقوله أو يتصرّفه، لأنك خلقت له شخصيته الواضحة بآرائها ومواقفها وأحاسيسها.

الكتابة رسالة وحالة خلق وتجلّ، إعادة صوغ للحياة الحقة وقيمها استنادا على ما يعرضه من واقع منكسر مخيّب.. يخطئ من يقول إن الابداع مرآة المجتمع أو الحياة، لأنه عندئذ مجرّد مُصوّر فوتوكوبي.. لا، المبدع يصنع المرآة الأولى التي هي تعكس الواقع، لينعكس ضياؤها على المرآة الأكبر التي تمثل ما يجب أن يكون.. الأدب الحق يرسم الواقع ويصوّر الواقع المشتهى الذي يجب أن يتجلّى. 

***

كنت أعتقد أن جَمري سيقمِّر القصائد والأحلام، لتخرج شهية، لكني غفلت عنه، فشوى لحمي، وظلت أحلامي نيئة.لا تدع أحدا يعظك.. خلقت المؤخرة لكي تديرها للمواعظ المعلبة ومن يعظ.

اقسر الحياة وتجاربها لتمنحك موعظتها وحكمتها الطازجة. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.