اللوحة: الفنانة الفلسطينية زينب شكري القولق
ماهر باكير دلاش

من يزور التاريخ هو في مأمن أبدا؛ فلن ينهض الموتى لكي يحاسبوه.
بعد أحداث غزة راودتني الشكوك حول قضايا كثيرة، أسرتني أسئلة أرهقتني وما زالت تمارس رياضة الجري في رأسي.
كم أتمنى أن يكون ما درسناه من التاريخ صوابا، هل هتلر كان سيئا؟.. هل ما قرأناه عن الحربين العالميتين صحيحا؟.. إن كان هتلر فعلا جزارا فإن ضحيته المزعومة تقلد جلادها، وإن كان حصار لينينغراد قد حدث فعلا فإن آلة القتل تعيد هذا الحصار على غزة.. إن كان علينا حقا تصديق هذا التاريخ الذي خطه من ليس له إلاه ولا ذمة فيجب أن نرى ما يثبته، ولكننا نرى عكس ذلك تماما.
إن كان هناك جحيم في المانيا فإن السيناريو يعيد نفسه في غزة مع اختلاف بسيط وهو أن جحيم غزة حقيقي وجحيم هتلر مجموعة أكاذيب لابتزاز ألمانيا، ونزع التعاطف من العالم.
الموت مخيف جدا عند من لا يملك عقيدة، ولا يسنده فكر قويم.. إن الشعور بالوهن ليس من شيم المسلم الحق الذي يحمل القرآن في صدره، الذي يحمل قضية عادلة لا جدال فيها.. والأمر الأهم في هذه المرحلة هو أن نرى بوضوح ونفكر بجلاء، وأن نسمع برزانة لكي نجيب على السؤال البديهي: ما هو المبدأ الذي يقوم على أساسه الاحتلال؟
الكذبة الأولى من الدول الاستعمارية في الحقب الماضية أنها حملات للتبشير ونشر المحبة والإخاء بين البشر وإقصاء الجهل والمرض والطغيان. والله وتالله إنها كذبة كبرى لإضفاء الشرعية على الاستعمار.
إذا كان الآخرين لا يملكون قرار الحرب فكيف لهم أن يعطوا او أن يمنحوا لغيرهم السلام ولكن الفلسطيني امتلك بعد خمس وسبعين عاما ذلك القرار.. وبالتالي فإن مبدأ “الارض مقابل السلام” أصبح اليوم حقيقة وليس مجرد مهزلة!
لم يعد اتساع الجغرافيا مهما لفرض القرار؛ فغزة قطاع صغير ومع ذلك فإن لها اليد الطولى في إدارة المعركة وفرض ما يجب أن يكون، بعد أن كاد الفلسطيني يختنق في مكانه، لا لأن العدو صار خلف الأبواب ولكن لأن المكان قد بات خاليا من الحياة.
إن العبقرية لا تختفي أو ترغم على الاختفاء أمام الطغيان واستشراء الخرافات، فالله الله على عبقرية الفلسطيني.