د. محمد جابر
اللوحة: الفنانة المصرية هاجر أشرف
يتسلل الظلام مابين الأزقة الضيقة الممتدة كشبكة العنكبوت في سوق قرية سرحان الضبع ويبدو متغافلا عن إمرأتين تجلسان على الأرض تكاد تلصق إحداهما فمها بأذن صاحبتها اليسرى التي يتدلى منها قرط ذهبى يتأرجح
- أم زغلول
- أيوه يا أم شلبى
- الكلام ده مش عايزاه يطلع برانا إحنا الإتنين
- ودى كلمة تقوليها برضة يا أختى هو أنا فتانة
- مش قصدى يا حبيبتى بس الموضوع ده عايزاه يفضل سر
- سرك في بير يا ختى
- الوليه أم شحتوت بياعة الفراخ إللى في آخر الزقاق
- مالها يا أم شلبى أنا مابطقش أبص في وشها باتفزع لما عينى تيجى في عينها
- سيبك من الكلام ده ماتعرفيش هي راحت فين النهارده؟
- إنت مالك ومالها يا ختى إبعدى عنها أحسن لك
- أم زغلول خليك معايا تعرفى راحت فين ولا لأ
يحمر وجه المرأة وتكسو وجهها سحبا حمراء تلتهب
- قلت لك قبل كده ما أعرفش ما أعرفش
تدرك أم شلبى ماقامت به من إستفزاز لصديقتها الوفيه وتأخد براسها الذى تكسوه طرحة سوداء قاتمة تقبلها عدة قبلات ثم تنهمر من عينيها دمعات متوالية تفزع أم زغلول لتبادر بإحتضانها
- فيه إيه يا حبيبتى إسم الله عليكى كله من أم شحتوت إلهى يتخرب بيتها
- شوفى يأم زغلول أنا شايله حمل ثقيل عايزاكى يا أختى تشيله معايا
- تحت أمرك يا ختى أنا ستر وغطا عليك
- شلبى
- ماله إسم الله عليه هو لسه بيشوف الخيالات السودا
- أيوه يا أم زغلول بس مش ده المهم
- أمال فيه إيه حيرتينى
- أم شحتوت عايزه تاخد شلبى إبنى
تدق أم زغلول على صدرها وهى تصيح
- تاخده تعمل بيه إيه الوليه الدجالة دى
- تشغله معاها
- تشغله معاها؟ ده لسه عنده تسع سنين يا ختى وتشغله إيه إن شاء الله
- في المندل
- مندل.. يالهوى يعنى يبقى الواد مع العفاريت والشياطين حرام عليكى يا ختى لما ترمى ابنك الرمية دى
- أنا فاض بى خلاص يا حبيبتى بادور في البيوت اغسل وأمسح علشان أجيب لقمة العيال وأبوهم الغلبان لكن الراجل صحته اتبهدلت يا ختى أكتر وأكتر
- ياخبر
- أيوه يا ختى بيغسل مرتين في الأسبوع مابقاش حملى أدفع تمن غسلة واحدة حتى غير تمن عربية الإسعاف إللى بتيجى تاخده لمستشفى المركز
- وبعدين
- لقيت أم شحتوت جات لى البيت وقالت لى إنتى صعبانه علي يا أم شلبى معاكى كنز وغفلانه عنه
- كنز كنز إيه؟
سألتها نفس السؤال ضحكت بخبث وشاورت على الواد شلبى
- يالهوى
- آه والله قالت لى الولد ده مبروك وينفعنى لما افتح المندل
- أنا خبيت شلبى ورا ضهرى وقلت لها إسم الله على إبنى لما يبقى مخاوى
- وبعدين
- قالت لى هو مخاوى من سنين مش حيفرق معاه كتير لما أشغله في المندل على الأقل إستفيدى منه إنت وأبوه وباقى العيال
- وعملت إيه
- طردتها صراحه وفضلت حاضنه الواد شلبى كأنى باخبيه من عنيها
- وإيه اللى جد يا حبيبيتى
- حاله أبوه اتدهورت أوى مابقتش قادره على الغلب ده
- وبعدين يعنى حتبيعى إبنك للشيطانه دى
- ح اعمل إيه قول لى إنت أعمل إيه
وتبدأ المرأة في الصراخ ولطم وجهها تصمت أم زغلول وكأن كل سهام الأقدار قد إستقرت في لسانها ثم تشير إلى شبح قادم من بعيد
- أم شحتوت جايه أهى ياريتنا إفتكرنا حاجة عدلة
تقترب أم شحتوت ذات الوجه الأسود والمحلى بشقوق على الوجنتين وتتجه مباشره إلى أم شلبى وتنتزعها من صديقتها وتذهب بها بلا كلمة واحدة حتى تقترب المرأتان من بيت أم شلبى
- زى مافهمتك يا أم شلبى عرفتى ح تقولى للواد إيه ولأبوه إيه
تجاهد الكلمات محاولة الخروج من فم المرأة الباكية
- أيوه يأم شحتوت فاهمة
ثم تغيب داخل المنزل وتظهر مصطحبة الطفل وتسلمه إلى المرأة التي لاتخفى فرحة إنتصارها ثم تتجه لشلبى وتمسك بيده في قوه وتصطحبه بسرعة إلى طريق المجهول بينما تكتفى أمه بحشرجات باكية تبعثها في الفضاء علها تسكن من خوفه وبكائه.
تمر الأيام العرجاء في تثاقل ويبدو وكأن البيت وقاطنيه قد نسوا أن شلبى كان يساكنهم فيه لكن الأقدار كان لديها ماتخفيه.. شمس واهنة ليوم من أيام شهر طوبة الذى يسرى البرد فيه بين كل مايتحرك يبدو في نهاية الزقاق شبحان لإمرأة عجوز وطفل لا يستطيع السير بسهولة تطرق المرأة باب بيت أم شلبى التي تفتح الباب في تكاسل لتجد إبنها تدفع به أم شحتوت في غلظة
- خدى إبنك الخيبة وربنا يعوضنى في اللى دفعته ليك
و تلقى بضحكات خبيثة تلف المكان ثم تختفى كما ظهرت تسرع أم شلبى إلى الطفل الذى بدا وكأنه قد شاخ قبل الأوان تحتضنه تقبله لكنه لا يحرك ساكنا ويظل واقفا في ذهول مريب تتصاعد صرخات المرأة وتهز الطفل مرات عديدة لكن بلا جدوى تبدأ في الصراخ والعويل ولطم وجهها ليخرج من البيوت المجاورة من يسكنها متعجبين حتى زوجها يأتي متحاملا على نفسه ويبدو وجهه مزدانا بهموم وظلال من مرض قديم
- فيه إيه يا أم شلبى ؟مال الواد
ويتجه بصعوبه إلى الطفل الذى لا يتحرك يقبله يهزه يصرخ فيه لكن شلبى ظل كتمثال حجرى
- هي أم شحتوت عملت فيه إيه منك لله ويشير لزوجته بعتى إبنك يا مفترية للشيطانه أم شحتوت
- أنا عملت ده عشانك وعشان الولاد
- ياريتنى مت يا شيخه ولا العيال كانوا جاعوا بس الواد شلبى مايبقاش بالحالة دى
يمسك الرجل بكف إبنه ويدخله إلى جوف الدار يأتي المساء سريعا والطفل لايزال غارقا في صمته لا يريد أن يأكل أو يشرب ينظر إلى الفراغ في ذهول يعاود أبو شلبى بالإمساك بيد الطفل ويصطحبه للسرير.. ياللا يا بنى حاول تريح شويه وتنام.. ينظر الرجل للطفل في أسى ويلقى عليه بالغطاء ويدعه في سكون
تشق صرخات جوف الليل توقظ كل من في الدار لتسرع أم شلبى إلى غرفة الطفل التي يتصاعد منها صرخات قبيحة وضحكات تجمد الدم في العروق لتجد إبنها قد جلس القرفصاء معلقا في الهواء وهو يشير إلى الفراغ ويضحك في توحش
- حتشوفوا كلكم اللى مشفتهوش قبل كده ولا حد منكم حينفد هي سبع أيام بالعدد وحتبقوا جميعا من الأموات ويستمر في الضحك الوحشى
- يانهار أسود إيه إللى جرا لك يابنى
تقف المرأة بعيدا تحتضن باقى أطفالها بينما يتهالك أبوه على الأرض
كله منك يا وليه يا طماعه ناظرا إلى زوجته أنا ح أخده على الشيخ سرور يشوف إيه إللى نابه
- لا وديه الأول لدكتور الوحده الصحية
- لا الدكتور مش حيعرف يعمل له حاجه ياوليه الله ينتقم منك الله ينتقم منك
- ياراجل إنت قادر تمشى خطوتين أنا ح أخده للشيخ سرور بتاعك ده وربنا يجيب العواقب سليمة
- وإن شاء الله مين إللى حيقدر ينزله من الهوا وهو معلق كده
وفجأة يهبط الطفل ويستقر على السرير صامتا ينظر في براءة إلى أهله ويتجه ببصره لأمه
- مالك ياأما خايفه من إيه
تفيق المرأة من نوبة الرعب التي تتملكها وتسرى فيها غريزة الأم الرؤوم تترك أطفالها الذين يبكون وتسرع إلى شلبى وتحتضنه تنظر في وجهه الطفولى تقبله ثم فجأة تتباعد عنه في هلع بينما يتبدل وجهه بسرعة وينطق بصوت أجش
- إنتى أول واحده ح أخلص عليها مش حتعرفى لا تاكلى ولا تشربى ولا تنامى
ويستمر في الضحك ثم ينظر لأبيه ويتبدل وجهه سريعا ويتكلم بصوت حنون
- أما أنت يا با مش عارف حيحصل لك إيه إنت وأخواتى ثم يتبدل وجهه مرات ومرات مابين النور والظلمات
تصحو الشمس بصعوبة بينما يظل سكان بيت أم شلبى عيونهم مفتوحة تراقب الوحش الجالس القرفصاء معلقا في الهواء ينهض الزوج في مشقة بالغة ويحادث المرأة
- ياللا ياختى خذي الواد وروحى بيه للشيخ سرور العايق
- أخد مين يا بو شلبى
- ابنك اللى متعلق فوق
- أديك قلتها حاطلع له ازاى والنبى
يتجه الرجل إلى ابنه الذى ينظر إليه في ود ثم يتبدل في لحظه إلى نظرة ذات وعيد
- خليك مكانك يا أبو البوابة
- بوابة إيه يا بنى مش تستهدى بالله وتنزل
- بوابه الجن يا راجل إنت ومش ح أنزل
ويضحك في توحش
- ولا أقولك حأنزل لك علشان أخد روح الوليه إللى جنبك ويطلق أصواتا خبيثة.. تهر ب المرأة بعيدا وتنزوى في ركن بعيد ممسكة برأسها وهى تذرف دموعا لاتنتهى
الله يهديك يابنى إنزل علشان خاطرى
تزحف الوداعة على وجه الطفل الشيطانى
حاضر يا با ثم يهبط في خفة مادا كفه إلى أبيه
ياللا بينا
تنهض المرأة فينظر شلبى إليها محذرا فتتراجع إلى مكانها الأول
حتقدر عليه يا أبو شلبى
الله يعينى الله يعينى تعال يا شلبى يا ابنى
يغادر الرجل والطفل البيت الذى ارتاح فجأة وكأنه تخلص من وحش لايرحم
تمر ساعة ليقترب الرجل وشلبى إلى بيت في أقصى القرية وكأن باقى البيوت قد طردته بلا سبب، يقف أبو شلبى أمام البيت الخشبى ذو الضلفتين وينظر إلى الطفل الذى أخذ يحادث شخوصا لاتُرى ويشير بإصبعه إلى الباب فينفتح مصدرا صوتا مجلجلا ليجد شيخا ستينيا يقف مبتسما وأشار إلى أبو شلبى بالدخول وبلا إنذار أحنى الشيخ سرور العايق ظهره مخفضا رأسه
- أهلا بسيدى شلبى شرفت البيت يا بوابة الجن فينظر إليه الطفل مبتسما ويشير إشارات مبهمة ويتمتم ويترك يد أبيه ويغوص في ظلمات البيت الكبير
تسقط تلك الكلمات على رأس الرجل كصخورا تتدحرج من فوق جبل عال ينظرإلى الشيخ سرور متسائلا لكن العايق يضع إصبعه على شفتيه محذرا أبو شلبى من التفوه بأى كلمة ويأمره بتتبعه إلى الداخل
أبو شلبى إقعد هنا وإياك تتحرك من مكانك مهما سمعت
يعنى مش ح أدخل معاكم
يتحول وجه الشيخ سرور إلى اللون الأسود وينطق بكلمة واحده: لأ
يطيع أبو شلبى ويجلس واضعا رأسه بين كفيه بينما يتحرك الشيخ سرور في خفة وكانه يسرى في الهواء ثم يدخل الغرفة الجالس فيها الطفل ويغلق الباب ليسود صمت مريب. تبدأ أصوات قوية في القدوم من كل مكان وكأن الجدران ترددها ثم يشع ضوء كالبرق آتيا من وراء باب الغرفة التي يجلس فيها الشيخ والطفل ويهدأ كل شيء، ينفتح الباب بهدوء ليبدو الشيخ سرور مبتسما ممسكا بيد شلبى ويوجه كلماته لأببه: أبو شلبى الف مبروك إللى كنت باقول لك إتأكدت منه
قلت لى مش فاهم؟
- إبنك بقى بوابة الجن
- ياشيخ إرحمنى أنا مش فاهم حاجه يعنى الواد سليم وح أرجع بيه لأمه
- لا يا أبو شلبى إستعوض الله في إبنك
- ياخبر أسود إبنى مات ومين إللى أنت ماسك إيده ده عفريته؟
يضحك كلا من الشيخ والطفل: لا يا أبو شلبى، شلبى ماعدش موجود إللى إنتى شايفه ده سيدى بوابة الجن
- الله يكرمك يا شيخ فهمنى
- مراتك مش ودت شلبى لأم شحتوت
- ايوه كان يوم أسود ومنيل
- أم شحتوت دى ساحرة مالهاش زى دى من النفاثات في العقد
- وبعدين يا شيخ
- عرفت أن شلبى إبنك فيه حاجه كبيرة تخدمها في إستحضار المردة والشياطين
- يا نهارها كحلى
- وإنتم عطيتوا الواد لها في سبيل قرشين
- أنا غلطان إنى وافقت بس أنا ماكنتش عارف… وبعدين
- ابدا هي فتحت البوابة إللى جواه
- بوابه ايه يا راجل إنت
- مش حتفهم إحنا محمين من الجن ولازم علشان يدخلوا عندنا يكون فيه بوابات
- وشلبى ماله ومال الحكايات دى كلها
- إبنك بوابة نايمة زى غيره من الناس لكن أم شحتوت فتحتها وبقت تستدعى خدامها يدخلوها
- ياعينى يا إبنى وبعدين… فيه علاج؟
- لا يا أبو شلبى إللى حصل حصل
- يالهوى وح أعمل إيه ح أقول لأمه إيه؟
- أبو شلبى زى ما قلت لك إستعوض الله فيه
- طيب حيرجع معاى البيت؟
- ما انصحكش
- ليه يا شيخ؟
- علشان أي عفريت معدى حيدخل لكم عن طريقه ويوريكم الويل إنت مش فاكر إللى حصل الليلة اللى فاتت
- والعمل… أسيبه يعنى؟
- أيوه
- وحيقعد فين وياكل ازاى ويشرب اواى ده لسه عيل؟
- ماتخافش عليه ده أوعى منك ومنى
- حيقعد عندك يعنى؟
- يتبدل وجه الشيخ سرور بسرعة
- لا ماإ ستحملش
- أنت ماتستحملش؟
- ايوه إبنك بقى خطر عظيم
- يعنى خلاص!!
- خلاص!!
- اقدر أحضنه لآخر مرة؟
- مانصحكش
- حتى ده ماقدرش عليه! يودع الشيخ سرور الرجل الذى ينظر إلى ولده النظرة الأخيرة والذى يتبدل وجهه بسرعة كاشفا عن أنياب طوال: أنا سبت مراتك النهاردة لكن ميعادها جاى بكره ولا بعد بكره
يسرع الرجل بعيدا خارج البيت العجيب حتى يختفى أثره، يأخذ الطفل بكف الشيخ سرور متجها إلى داخل البيت ويغلق الباب بهدوء وينظر إليه متسائلا: البوابة جاهزة واللى عايزهم مستنينك تحب تدخل إمتى؟ ليرد عليه الشيخ سرور العايق: دلوقتى.
ماشاء الله اكثر من ممتاز يا دكتور محمد تمنياتي لك بدوام النجاح و التوفيق في كل اعمالك
إعجابإعجاب
ايه الجمال ده ….. ممتازة د. محمد… خالص الامنيات بالتوفيق و دوام الإبداع
الخطيب يسري
إعجابإعجاب