اللوحة: الفنان الفرنسي ويليام بوغيرو
محمد محمود غدية

سنوات عمرها تتساقط كأوراق خريف ذابل، وهي التي كانت في نضارة الربيع تغادرها الحكايات الجميلة التي صاحبتها في ملاعب الصبا، كيف لروح نابضة أن تمارس الموت؟
بردت أطرافها وارتعشت حين أبصرت الممرضات في ثيابهن الثلجية، يخذلها الموت، لا يأيتها سريعاً كما توقعت، استسلمت لوخز الإبر الموجعة في أوردتها الواهنة، كل شيء من حولها باهت ليست وحدها تتجرع الألم، هناك الأم التي ينهش روحها مئات الحشرات الصغيرة، تفترس روحها اللينة وهي تحلم بثوب العرس لابنتها، لتضمد جراحات الأيام، الابنة التي تحمل قلباً دافئاً دافقاً لم يصبه عطب الحب، هل يمكن للعصافير تسلق لبلابتها التي جفت، وهل تقدر على إطعامها كما كانت تفعل؟
لابد من نثر بذور التفاؤل لتنمو فوق ريش الليل البغيض، أنابيب بلاستيكية شفيفة موصولة بالأوردة وماكينة غسيل الكلي التي تنقى الدم طوال أربع ساعات من العذاب ثلاثة أيام في الأسبوع، أزال المطر غبار الشوارع، فبدت لامعة واصطبغت السماء بألوان وردية، تبعث في النفس ارتياحا لا سبيل إلى مقاومته، مبعثه ما قاله الطبيب: أنه في الغد، ستنتهي كل آلامها بعد جراحة دقيقة لن تحتاج بعدها لعذاب غسيل الكلى.
بعد تجهيز غرفة العلميات، تمددت المريضة المغيبة في البنج لإجراء جراحة دقيقة لزرع كلي سليمة بدلاً من الكلية المعطوبة، وعلى السرير المجاور، تمددت المتبرعة بكليتها، بعد ساعات رغم اشتداد الظلمة وإحكام النوافذ في غرفة العناية المركزة، تنام المريضة التي بدأت في التعافي بعد أن هدأت الآلام، لتعود للأحلام الملونة تقص الحكايات للعصافير والناس، وتبكي وتلقي بنفسها في أحضان المتبرعة التي دهشت حين أبصرت أمها، المتبرع الوحيد لإنقاذ الابنة من الآلام، تضحيات جسام من الأم القوية التي لديها القدرة على خرق المسافات، والقفز من فوق الحواجز والمستحيلات، عطاء أعاد للأشجار والأزهار نضارتها، عطاء لا يماثله عطاء يسقي جفاف الروح،أمي ورائحة المسك تسبقها، عقيق الماس وأحن الناس، خلدتك الحكايات، لأنك أصدق وأعظم وأكبر من كل الكلمات.
المرأة السحر
السعادة تشبه ذلك العصفور الذي يطير في كل الدنيا، ثم يتوقف فوق شجر الترقب أو فوق نافذة، هناك من يغلق شباكه في وجهها، لأنه لم يقو على النهوض من تحت الدثر تكاسلا، لا يفعل ما تفعله البجع في سعيها للرزق في ثلج الفضاءات العاصف.. ثلاثيني عمل فور تخرجه محاسبا في مصانع عمه، أحب ابنة عمه وهي أحبت غيره، الصدمة مروعة احتفى به الألم وسجله على الورق في قصة قصيرة، مبينا كيف استقبل تجربة الحب بطريقة الذوبان في أول نهر يصادفه وهو لا يعرف العوم، مستخدما عواطفه مائة في المائة وعقله صفر في المائة، ولأن القصة شديدة الصفاء والانسجام مع تفاصيل الحياة، فقد فازت بالمركز الأول، ليصبح بعدها من رواد قصور الثقافة، بين لفيف من الكتاب والمثقفين.
مازالت تسكنه الهموم، حتى برزت له امرأة تمرق في اتجاهه، مشرعة كالسيف، عيناها تبسمان فتورق الكروم، دعاها للجلوس وهي الراغبة في تقييمه لقصصها بعد فوز قصته بالمركز الأول قائلة: الكتابة ينبغي أن تحقق شيئا لم يحقق سابقا، بطريقة لم تستخدم، تعطى نتائج غير منتظرة! قال: هذا كلام غير دقيق لأننا ننقل عن الآخرين تجاربهم الحياتية، الأشياء العظيمة لا تقاس بحجمها وقدرتها وثقل وزنها بل بتأثيرها، مثلما تدهشنا الفراشات بجمالها رغم ضآلة حجمها.. استطاعا معا عبور جسر الصداقة إلى حيث ينتظرهما الحب، نجحت في زحزحة الهم وعوضته الغياب، إنها المرأة اللغز التي فشل الفلاسفة والحكماء في فك شفراتها، يكفي أنها الحضور المرئي للسحر في هذا العالم.