اللوحة: الفنان الإسباني خوان جريس
فواز خيّو

هل حقا بلغتني الستون؟ مع أني معروف بحذري وقلقي، لم أنتبه كيف مرت عقود ستة من أمامي.
ما أشبهني بالفريق السوري، حيث يقضي شوطي المباراة جس نبض، وأخيرا يشتم الحكم أو يضع الحق على أرضية الملعب، وكأنها أثرت عليه وحده.
كان احتفالي بميلادي الستين موازيا لهذه الحقبة، باهتا، وحيدا، لم أشرب نخبي، ولم أستعرض حتى إنجازاتي التي تشبه إنجازاتنا العربية، هزائم، انكسارات وخيبات، وأحلام مقطوعة الرأس مرمية في الطرق والساحات.
لقد فشلت في كل شيء، في الحياة، في الزواج، في الحب، وأعلنت فشلي كثاني مسؤول عربي بعد عبد الناصر عن الهزيمة، مع أني لم أتسلم إدارة مكتب صغير طوال حياتي، لكن أحسّ بمسؤوليتي عن كل انهيار حولي.
وحاولتُ تقديم استقالتي مرارا، والانسحاب من الحياة العامة والخاصة، لكن الأقدار كانت ترفض بإصرار، تماما كما في السجون العربية، ممنوع أن تموت، أنت هنا كي تدفع الفاتورة.
نحن من يقرّر متى تموت، وكيف تموت.
كل ما عشته بعد نهاية 2013 هو زيادة، بعدما خرجت من براثن “النصرة”.. لا أحد يدخل السجن ويعتقد أنه سيخرج، كيف إذا كان في غرفة المحالين على الذبح.
في هذا الشرق المعارضات تهتم بالإدارة كي لا تفشل، فهي تفتتح سجونها وتعين جلاديها وتتمرن كيف تضرب وتسحل وتجعلك تكفر بالهواء قبل الأديان، حتى إذا استلمت السلطة تبدأ بخطتها التنموية مباشرة ودون إضاعة الوقت.. في هذا الشرق لا تستطيع الرهان لا على الحكومات، ولا على المعارضات، ولا على بقايا الحلم. وطالما اني لا أصلح لشيء، فقد جربتني الأقدار ومنحتني التفرغ حارسا على باب الحزن، أؤرخ يومياته على امتداد هذه الصحاري واعتقد أني نجحت في هذا.
ساعدني قدرتي على (النفاق) وإظهار عكس ما أبطن.. أبيع الوهم بالأمل القادم، وأصنع الفرح من كسرات الجمر، بينما أنا أنزّ من ألف جرح.. هكذا جمعتُ ثروتي غير الشرعية، وجاء وقت غسل الأموال هذه.. نعم أنا غني جدا، وفقير جدا، لكن لن أقدم كشفا بحسابي.
***
ملاحظات ثورجية…
أهم معمل لإنتاج المرتزقة والخونة وتجار الأزمات والأوطان وصناعة العمالقة من بقايا الأقزام هي الثورات.. وفوق ذلك تستجلب كل مرتزقة وقطاع الطرق في العالم..
أروني ثورة لم تكن وبالا على شعوبها ودولها، من كوبا إلى كوريا، مرورا بالجزائر و أريتريا غيرها.. حتى ثورات المعسكر الاشتراكي حولت دولها الى علب كبريت لا تنتج سوى استبداد أكثر مما قامت ضده.
غاندي حرر قارة بالحب والسلام، ولم يقتل جنديا بريطانيا.
كلمة ثورة صارت تعني خراب..
لا استقرار دون إيمان الجميع بقبول الآخر والديمقراطية.
العنف يجلب العنف.. الموت يجلب الموت.. الحب يجلب الحب.. كل شيء يجلب شبيهه..