هيام علي الجاويش
اللوحة: المجرية إلكا غيدو
صديقي: في رسالتي هذه أتابع لك بقية قصتها حيث قالت: كنت في إحدى الليالي ذاهبة لتلبية دعوة زفاف إحدى زميلاتي، في طريق فرعية والتي تسرّب لها ضوء الشارع المقابل كنت وأياه وجهاً لوجه، نطق باسمي وتسمّرت مكاني مفكّرة: يا الله هو، نعم إنه هو، والله إنه هو! وقال: لا بد أنك ذاهبة للحفل لقد قدمت لتوي من هناك، لا يوجد إلاّ الفوضى والضجيج، “وهاي حبة الحلو إلك، أخذت حبتين الأولى لي والثانية من نصيبك خُذيها” ثم تقدم أكثر وسلّم عليّ وقال إنه اشتاق لي وأن حظّه من السماء لأنه رآني مجدداً، مفرداً في كلامه مساحة لكلام الإعجاب بنضجي وأنوثتي ويسرّب بكلامه عبارات الغزل، وفجأة أمسك يدي بكلتا يديه وانحنى وطبع قبلة على يدي متمنيّاً أن يراني في الغد قبل سفره، لكنني تداخل بعضي مع بعضي ولم استطع أن أتفوه بكلمة واحدة، فقط سحبت يدي من بين يديه والتي كانت ترتعش وانسللت وقفلت عائدة إلى البيت، دسست نفسي بكامل لباسي في السرير, إلى أن بزغت الشمس فغفوت ولم أسيقظ إلاّ عند الظهيرة، نهضتُ بتكاسل ورشقتُ رشقة من الماء على وجهي ثم وضعتُ شيئاً من الطعام في جوفي ، بدّلت ثيابي وخرجتْ أقصد صديقة في صالونها لعلّي أمضي بعض الوقت معها وبما أن الأخيرة كان لدّيها زبونة ( قص وصبغ، و..) يا الله، جلست أنتظر، بعد ربع ساعة من دخولي، وقفت سيارة بباب الصالون وترّجل منها هو، والله هو ماذا يفعل هنا؟ استقبلته صاحبة الصالون والتي خرجت من الداخل عند سماعها صوت يسأل عنها، فسألها عن شريحة جوال فقالت باستهجان: لا, لا يوجد عندي، ألا ترى؟ هذا صالون تجميل نسائي، ودخلت إلى الداخل،لكنه لم يذهب وتقدم نحوي وجلس بجانبي مثبتاً نظره في عينيّ مبتسماً وقائلاً: أرجو أن لا أكون قد ضايقتك ليلة البارحة؟ فقلت: لا لم تضايقني. فسألني إذاً لماذا تركتني بهذا الشكل وأنا الذي أقول أحبّ أن أراكِ قبل أن أسافر، فقط لو أنك تعرفين كيف قضيت ليلتي بعد أن غادرتني، كم أنت قاسية وظالمة! مرّت فترة صمتْ تمنيت أن يقول أي شيئاً قبل أن تنتهي صاحبة الصالون من عملها وتخرج من الزوايا الداخلية فربما كادت أن تنتهي، وأخيراً قطع الصمت بعبارات مركّزة وذهب إلى الهدف مباشرة بعد مقدمة صغيرة مختصراً الكلام ما أمكن “أنت تعرفين إنني أحبك منذ زمن بعيد ،وكنت في بالي طيلة غربّتي، ولكنك لا تعرفين الظروف التي مررتّ بها. وأنت قبل سفري كنت صغيرة و.. و.. و، إلى أن قال: هل تقبلين الزواج بي؟ فقلت له: لكنك متزوج! فدهشْ وصُدمْ وقال: كُنت أظنكِ تعلمين؟ لكن لا بأس يبدو أنك لا تعلمين هل نستطيع الذهاب إلى مكان آخر؟ فأشرت بعينيّ دلالة النفي، وفي هذه الأثناء دخلت فتاة برفقة أمها إلى الصالون ومن ثم إلى الداخل مما أعطاه فرصة إضافية، تابع: أنا أعمل في جريدة خاصة, وصاحب الجريدة طيّب إلى أبعد الحدود ووقف إلى جانبي في كلّ مرحلة من مراحل عملي ودراستي، وله الفضل الأول في كلّ ما أنا عليه، صاحب الجريدة هذا رجل كبير في السن وعنده ابنة سقيمة دائمة المرض وكان دائم القلق على مصيرها بعد موته إذ ليس لها أحد من بعده،.وقد ألمح لي مرات عديدة أن أعقد عليها فقط وذلك من أجل أمرين أثنين، الأول كي أعتني بها والثاني إن تحقق الأول أكون وريثاً شرعياً لها وله بعد وفاتها. عقدتُ عليها ولم أقربها وعينت لها ممرضة مقيمة معها بشكلٍ دائم, لا من أجل الميراث، بل من أجل اأن ارد المعروف فلوالدها دين في رقبتي، ثم إنها تكبرني بثلاث وعشرين عاماً ثم ابتسم وقال: أي ليست كأختي الكبرى بل كأمي، وعاد إلى جديته وقال: للحق أقول هي امرأة طيبة جداً وممتنة لي جداً وليس لها أي طلبات ، وإن أرادت شيئاً تخبر الممرضة والممرضة بدورها تخبرني, وأنا بين الفينة والأخرة أطمئن عليها وتابع معك حق في كلّ ما تفعلين أو تقولين، ومدّ يده إلى جيبه وأخرج جوالاً وقال: “هذا لك عليه رقم جوالي فقط, إذا رنّ جوالي ــ طبعاً هذه الليلة ــ سألغي سفري وأفهم إنك موافقة وأكون من أسعد الناس، وإذا لم يرن، تنهد وقال: احتفظي بالجوال كذكرى مني، آخر ذكرى لنا معاً”. وخرج دون أن يقول شيئاً. وبدوري خرجت دون أن أقول أيّة كلمة لصاحبة الصالون، وفكّرت هل رتّب كلّ شيء وكيف عرف أنني في الصالون ولماذا طلب شريحة؟ دخلت إلى البيت وبحثت عن أمي وأخبرتها باختصار بأن كريم أبن أبو كريم طلب يدي للزواج، وعندما قالت لي أمي لكنه متزوج مرتين، ثارت ثائرتي، شتمت وسببت وقلت لها: ولا, ولا مرّة, ويكون ستين مرّة (الناس شاطرة بتأليف الروايات ). أما بالنسبة لأمي فقد كانت تنتظر العريس أيّ عريس أكثر من انتظاري، وكانت قلقة ودائمة التفكير بمصيري, فقد انهيتُ دراستي منذ ثماني سنوات ولا عمل ولا زوج ولا ولد ولا تلد و.. فما كان منها إلاّ أن قالت: الحياة حياتك والرأي لك ودخلت عند أبي لتنهي الموضوع, فكان أبي يوافق على كل ما توافق عليه أمي, واعتبرتها موافقة، دخلت غرفتي وأغلقت الباب بالمفتاح, أمسكت الجوال وكم عانيت حتى استطعت استعماله من قلة معرفتي وشدة ارباكي فرنّ رنّة واحدة وفصلته.
ساعة مرّت وأنا على الجمر، ساعة أخرى مرّت، تيقّنت أنه نسي كل شيء وسافر وساعة ثالثة دقات عقاربها كانت تلسعأعصابي،وأخيراً أتصل بعد تيقّن بأن طريدته قد طُهيت ونضجت، فتحتْ الجوال، سمعتُ ضحكته المجلجلة الصاخبّة, معبّراً عن شكره وامتنانه وفرحته قائلاً: أنت ستشرفينني، أنت فرحتي وسروري وأنا، الله هو الذي مَنَّ عليّ، أفتحي أنا على الباب.
رميتُ بالجوال على السرير وركضتُ إلى الباب أفتحه وإذا هو يسلّم على أبي فسلّم عليّ ودخل، جلس على الأريكة وطلب فنجان من القهوة، أعددت القهوة وقدمتها وخرجت، لكنني بقيت على مقربة لأستمع لكلّ كلمة تقال، تحدثا هو وأبي بكلّ شيء، عن الأرض والزراعة وعن فلان وفلان ومن مات ومن بقي حيّاً، إلى أن أنتهى من قهوته قال: عمّ يشرفني أن أطلب يدّ كريمتكم, فإن لم يكن هناك مانع نقرأ الفاتحة، أستغرب أبي من الطريقة لكنه لم يُظهر أيّ شيء وردّ: تُشرِفُنا يا ولدي، لكن الرأي للبنت والأصول أن نسألها، فدخلت أمي وخرجت ثم دخلت وقالت: مبروك يا أبني، فقال: نقرأ الفاتحة إذاً، وبعدها قام قائلاً: ادعكم لترتاحوا وسنأتي في مساء غد أنا وأهلي لتتمة الإجراءات, وأنتم أخبروا وأحضروا من تشاؤون. ثم وضع رزمتين من النقود على الطاولة قائلاً: ستأتي أختي في صباح الغد لتساعد العروس في شراء ما ترغب بشرائه وخرج وفعلاً هذا ما حدث.
أتت أخته في الصباح وخرجنا معاً واشتريت برزمة كاملة كلّ ما خطر على بالي وكلّ ما رأيته وأعجبني, أما الرزمة الثانية فتركتها لأهلي، عاد في المساء هو وصديقيه واخته وزوج اخته وقال: أنتم تعرفون الوالد صحته ليست كما يجب فقط لو كانت أمي، فتدخلت أمي قائلة: “الله يرحمها كلنّا على هذا الطريق” أما الذي حضر من جانبي فكانت عمتي وزوجها وخالي وزوجته لآنهم جيرانٌ لنا،.تفّرّع الكلام وطال وتم الاتفاق على المهر, بدون رأي أو تدخل من قبلي المهم انتهت السهرة في وقتٍ مبكّر أيّ بعد تناول العشاء، فقد أحضر معه من مطعم المدينة طعام يكفي لثلاثين شخصاً.
في اليوم الثالث أو الرابع والله لا أعرف المهم بعد عدة أيام ذهبت مع أخته إلى صالون القرية, فاستقبلتني صاحبته معتذرة فقلت لها: لا عليك ها قد أتيت زبونة كي لا تنشغلي عني, وكم كانت دهشتها كبيرة سائلة: كيف؟ ومتى؟ ومن؟ فقلت لها نتحدث وأنت تقومين بعملك. فأومأت للفتاة والتي تحضر في أيام محددة لمساعدتها في المحل أن تعتني بأخت العريس وبشعرها في القسم الآخر من المحل. وفعلاً هذا الذي حدث وعندما انتهينا كان ينتظرنا في الخارج فأحسست بنفسي سيدة مجتمع أو (ليدي) أو، ووصلنا إلى بيتنا، وكأن بيتنا ليس هو لقد قُلب رأساً على عقب، كلّ شيء منظم ومرتب وأرض الدّار مضاءة من كلّ الجوانب، ووزعت الكراسي والطاولات بشكل مرتب يتيح سهولة الحركة ويتسع لعدد كبير من المدعوين فُرشت جميع الطاولات ،من قبل عمّال لا بد أنهم يعملون في هذا المجال وقد أحضروا فرقة موسيقية، نعم وفهمت كلّ شيء لقد استأجر صالة ومنعاُ للشوشرة “عليه طبعاً”طلب منهم أن يأتوا بكلّ شيء إلى بيت العروس، ولا أخفيكِ لقد كنت ممتنة لهذا التصرف، العرس في البيت يتيح لجميع أهل القرية الحضور ورؤية هذا العز, ومن لم يحضر، فلا بد أن يسمع ويعرف ما قُدّم وفُرش على الطاولات، وتتسنى لي الفرصة لتعويض الكثير من خيبات الأمل وأردّ على الكثيرات من أقراني وقريباتي اللواتي تزوجّن وكنّ يتباهينّ بمّا قدّم لهنّ و، و، انقضت ساعات السهرة سريعاً، فتقدم من أبي طالباً الأذن بالمغادرة واصطحابي وخرجنا وسط الزغاريد ووسط دموع أمي، ساعدتني أخته على لملمة الفستان وعلى ركوب السيارة, وانطلقنا إلى البيت الجديد, وكم تمنيت أن تطول المسافة، لكن وصلنا سريعاً، وكانت سيارة أخرى قد سبقتنا تحمل أمتعتي وحقائبي. جهّز أصدقاؤه كلّ ما يلزم، بقوا لبعض الوقت وغادروا.
وبقينا معاً, سهرنا طويلاً وضحكنا وشربنا ولعبنا وتحدثنا وحلمنا تم نمنا، وفي الصباح استيقظت مبكرة وكأنني لم أغفُ, أعددت الحمام والقهوة وطعام الإفطار، ثم ايقظته كان قلقاً ومتعباً جداً، رشفّ رشفة من فنجان القهوة واستحم خلال خمس دقائق، أكل كسرة خبز مع لبن ثم عاد ونام، بعد ساعتين أو أكثر استيقظ متعكر المزاج تكلم باختصار: “تأخرت كثيراً عن عملي, يوجد في البيت جميع احتياجاتك ويوجد في هذا الدرج نقود, وإذا أردت أمراً ما اتصلي بيّ فاحضره حتى لو كان “لبن العصفور”.
سألتها: ألم تتعبي؟ قالت: لا , صمتي وسكوتي هو الذي أتعبي أكثر من أيّ شيء آخر, وأردفت هل لديكِ عمل؟ أكدّت لها بأن لا عمل لديّ فأنا وحدي كما ترين, الجميع ذهبوا ولن يعود أحد منهم إلاّ في اليوم الثاني, وأنا مسرورة بك وبحديثك لكن يجب أن نتناول قليلاً من الطعام.قمنا معاً إلى المطبخ لأعداد طعام الغذاء, تخلل العمل بعض المزاح واسترجاع لذكريات كانت مزعجة في حينها، أما لآن رأيناها مضحكة, هذا الأمر أعطى راحةٌ لي ولها أعددنا الطعام وجلسنا لنأكل ومع أول لقمة سألتها: وهل أحضر لبن العصفور؟ بلعت لقمتها وأجابت: وهل حضر هو ليحضر لبن العصفور؟ كان يغيب بالأشهر وعندما يحضر كان يحضر لساعات، فقط عندما لا يجد صديقة، عندها يتذكّر إن لديه زوجة، وفي تلك الفترة اكتشفت جميع علاقاته واكتشفت سبب زواجه مني.الولد هو سبب زواجه أنه يريدُ ولداً، وهو الذي استنزف جميع المحاولات، لجأ إلى الأطباء والمشايخ والمشعوذين وتزّوج عدة مرات غير الذي ذكرت، ولم يرزق بولد، لكنه يريد ولد, المهم، فكّرت، علاقاته تجاوزت عدد شعر رأسه ولم يهتز له جفن،وتزوج مرات عديدة ولم يعبأ بأي شيء، فماذا لو استطعت الحصول على مخصّب فقط لا حبيب ولا خليل ولا عشيق ولا أيّ نوع من أنواع العلاقات، هنا قادتني إلى عالمين، عالم القصة عند(عبد السلام العجيلي) حيث وفقت بطلة قصته بالمخصّب، وعالم الحكاية، عالم زوجة شهريار والتي كُشف أمرها قبل أن تفعل شيئاً, وقضت مقتولة نتيجة انكشاف أمرها وتسببت بموت الكثير من بنات جنسها على مرّ سنين. نظرت إليّ وسألت: هل أطلت عليكَ؟ وهنا أفقت من شرودي وخجلت أن أسألها ماذا كانت تقول, إنما تابعتُ من حيث وصلت بقولي لا،أنا معك،فتابعت،، هكذا مثلما قلت لك فقررت العودة إلى بيتي فهو في الحالتين غير موجود. لو وفقت بولد لانحلت القضية, لكنه مات، هو لم يمت خطف منذ فترة طويلة، أما أنا فلست زوجة لأرث ولست أم لولد فيرث أبيه، وليس لي أيّة صفة من الصفات, حتى تسجيل محكمة أو قاضٍ لا يوجد، وأفكّر وابحث وأسأل هل استفيد إذا رفعت دعوى؟ لكن أرفعها ضد من؟ هنا اعتقدت أنني عرفت سبب مجيئها إلى عندي، ففكّرت أن أجيبها على سؤالها إلاّ أنها عاجلتني بالجواب، بأن المحامي قال لها يمكنك تثبيت الزواج إذا حضر الشهود, وبعد تثبيت الزواج عليها رفع دعوى طلاق وستنال الدعوى بسبب غياب الزوج أو بعد تثبيت الزواج عليها إحضار شهادة وفاة، وهي لا وقت لديها. رنّ جوالها، أربكت وتلّونت واستأذنت بالخروج لترّد على الجوال وفهمت إذاً هذا هو الشخص والذي وجدته كعشيق ومن أجله هي لا تملك الوقت، ومن أجله تريد الحصول على صفة مطلقة أو أرملة،لكن عليها أن تحصل على صفة متزوجة أولا وكله لآجل المال.أنهت مكالمتها ودخلت إلى غرفة الجلوس لتودعني وقالت: “الآن تيقّنت إنك لم تحبينه, ولكن أسألك هل أحبك؟”فأجبت بخبث ولؤم واحتقار وقرف: “ألحقي به واسأليه”
صديقي، أسألك لعلك تملك الجواب: ما الذي تريده الأنثى وخاصة هذه، فقد عرفت ما عرفت عنه, وهو مات أو على الأقل بالنسبة لها وها هي ما تزال تبحث في ماضيه أهي الغيرة؟ أم الاستحواذ؟ أهو الفضول أم التشفي والانتقام؟