اللوحة: الفنان السوري محمد الأحمد
يَسرِي بين عَلمانيي اليوم كلمة يسيرة على ألسنتهم، ولكنها عسيرة على أن يمررها عقلي، يقولون إنَّ القرآن والإسلام نتاج البيئة العربية! حسنا.. لنتخيل كما يقولون؛ أنَّ هناك رجلا اخترع القرآن من عنده أو ألفه، وأسس بذلك لدين جديد، وسواء ابتكره وحده أو بمساعدة شخصيات مسيحية أو يهودية أو حنيفية، من البديهي أنَّ الإنسان عندما يبتكر شيئا من عنده؛ لا يَنسى نفسه، ويجعل في المقدمة دينه الأخير والجديد؛ وأنْ يُعلي من شَخصِه كرسول مؤسس للدين، ولكن: كيف نَسي محمد صلى الله عليه وسلم نفسه فورد ذكر «موسى» نبي اليهود؛136 مرة وفي 34 سورة! كيف نسي «محمد» نفسه فورد ذكر «عيسى» نبي النصارى؛25 مرة، ومعه مرَّات لأمه مريم وزكريا ويحي وبقية الرسل عليهم السلام.. ثم يَذْكر اسم «محمد» في القرآن فقط أربع مرَّات، والخامسة باسم «أحمد» على أنه مذكور في الإنجيل! بل وخوطب في القرآن بالعتاب والتوجيه وأحيانا اللوم حين عَبَس، وحين أسرف في الدعاء على من قتلوا الصحابة وغُدروا بهم؛ وحين قيل له: إنك ميت، وحين حَرَّمَ على نفسه حلالا، بل لم يُذكر في القرآن له ابن ولا زوجة ولا علي بن أبي طالب ولا حمزة!
اليوم نرى القرآن هو الدليل المادي الوحيد على حقيقة تاريخية الديانة «اليهودية والمسيحية» فنحن لا نحتاج لبحث أثري ولا مادي عنْ أثر اليهودية ولا المسيحية، فقد أسهب القرآن في ذكر الأنبياء والأمم السابقة وصَوَّر الأديان وكأنها سلسلة وحيدة المصدر وذات رسالة واحدة وهدف واحد، القرآن أنصف الأديان السابقة؛ بينما ذكر من أرسل بواسطته بتواضع ونكران ذات، فقط «رحمة للعالمين» و «على خلق عظيم».
لو سألنا أنفسنا بنزاهة وحيادية؛ كيف يكون الدين والقرآن حين يخترعه بشر؟ هل يكون بهذا النبل والانضباط؟ القرآن لم يعتدِ على الأديان السابقة أو يهملها؛ بل كرَّمها وعظَّمها وجعلها جزءاً من عقيدة المسلم، القرآن أزال الشرك وأثبت التوحيد ونزَّه الله تعالى عن كل نقص وتشبيه بالمخلوقات، ليس كمثله شيء.
الإسلام هو اليهودية والمسيحية في أصلهما الأول الصافي، لو قُدم بهذه الصورة لكانت النتيجة مختلفة تماما، ولما تسبَّبنا في هذا الحقد والكره والتحامل على الإسلام، هل نستطيع أنْ نُقدم الإسلام كما نبع في عصر الرسالة؟ وخاصة أنَّ البشرية اليوم تعاني من ثغرة واسعة وعميقة في الروح، أرى الغد القريب وقد تناول الناس فيه بَلسم الإسلام الصافي؛ طوعا وعن حب ومعرفة.
