اللوحة: الفنانالبولندي باول كوزنسكي
بثينة الدسوقي

خروجها من القمقم كان عشوائيًا جدًا إلى الحد الذي أصاب قلبي بنغزة مفاجئة، إنها نحيفة كورقة شجر خريفية، أجل هي خريفية بالفعل عمرًا وفعلًا ولكنها تحاول ألا تسقط.
من بين القضبان الحديدية لسور القمقم اندفعت في شدة مما أوجع قضبان صدري، وجعل عابري الطريق يتوقفون ويلتفتون بطريقة لا إرادية تحدث دوما عندما يواجهون أمرًا عجيبًا أو لحظة قد لا تتكرر، نحافتها كانت أمرًا مرضيًا ولكنه صار نعمة في لحظة، صحيح أن السور ليس عاديًا بالمرة، وصحيح أن قضبانه واسعة على غير المعتاد ولكني اقسم أن طفلًا ذا رأس كبيرة لا يمكنه المرور!
أنا كنت قاعدًا على الرصيف المقابل، منتظرًا كالعادة المغادرين، عادة ما أنتظر سنين طوال ربما ما يزيد عن ثلاثين عامًا وذلك حتى تكتمل المدة التأمينية لكي يستحق بعدها أحدهم معاشًا؛ لكنها خيبت أملي..
لقد خرجت فجأة، بعد عشرين عامًا وعدة أشهر فقط، وبشعر أشعث تركت غطاءه ليسقط بين القضبان اثناء عبورها المجيد..
قالت لي وهي ترتجف نتيجة شعورها بالبرد الشديد: أريد فنجانًا من القرفة يا خالد..
سحبتها من يدها وذهبنا في اتجاه الشرق لكي تنعم ببعض الدفء، وتطاير فستانًا كنت أظنها لا ترتديه من حولنا ونحن نسير ركضًا إلى ناحية المقهى..
قلت لها مبرطمًا أنها حمقاء متعجلة لم تستطع التأقلم ولم تنجح في اختبار التبلد الذي وقّعت على قدرتها عليه وعلى العمل تحت ضغط وشد وكبس وجَلد، وأنها حتما تريد القرفة لأنها تمر بأيامها المعهودة العصيبة، فأجابت عفويًا بأنها لا تذكر أنها أنثى الى هذا القدر.. ثم توقفت فجأة فانفلتت يدها من يدي، وأكملت أنها على ما يبدو فقدت بعض الحواس هناك وعليها أن تعود لتأتي بها، ثم هتفت:
لا لا.. خالد.. سأهرب الآن ولن أعود أبداً، سأهرب من حديقة الحيوان تلك وربما أذهب إلى حديقة أسماك، او أي حديقة.
خالد سأبيع الجرجير على ناصية الشارع ولن أقبل بوظيفة، هل تسمعني، كلهم يقولون على الفيسبوك أنني عبده، أه أقصد جارية مادمت أتلقى راتبًا
تمتمت لاعنًا كل من نمّى بشريًا، والتفت أتأملها..
لمعت عيناها جدًا وهي تهتف فيما يشبه الصراخ
خالد سيكون لي عملي الخاص وسيكون لدي عبيدي..
ظلت تتحدث ونظرها إلى الأفق البعيد محدق
نظرت لها وهززت رأسي تعجبًا، وفي المقهى أجلستها وذهبت لأطلب الاسبريسو وان شوت لكلينا، ثم جلست القرفصاء على الارض أمام قدميها وفردت دفتري على فخذيّ وقلت لها بلهجة حادة وأنا أقلب في الدفتر متفحصًا موقفها الوظيفي الحرج
هاميس، يجب ان تعلمي ما ينتظرك وما تركته خلفك، أنت تخسرين في كل لحظة الآن، تأميناتك، راتبك، معاشك..
هاميس من الآخر؛ يجب ان تموتي على ناصية الحلم!
نطقت بالجملة الأخيرة وأنا أفكر بشوت القهوة الذي تأخر، ولكني فتحت عينيّ على اتساعهما وأنا أرى طوفانًا يأتي باتجاه المقهى حاملًا معه البشر والسيارات وأمواجًا عالية من بحر لا أذكر مكانه بالتحديد، أمواج حملت هاميس إلى اللاشيء، وحملتني أنا أيضًا.. الكاتب الجالس القرفصاء!