اللوحة: الفنان الأميركي أليكسندر أرشانسكي
فواز خيّو

في هذه الصحراء العربية، أنت مُدمن على العبودية.. لست حرا في اختيار شيء، لا طريقة حياتك ولا حتى طريقة موتك.
رغم الزحمة الخانقة أنت وحيد وغريب.. تشتهي أن تستوقف غيمة عابرة، تتشبث بها، تحضنها وتقول لها: أنا متعب لدرجة أنني لا أستطيع البكاء.. خذيني واذرفيني دما أو دمعا أو مطرا فوق هذا اليباس.
حفظت الكثير من الشعر الجاهلي والأموي والعباسي، ومن الشعر الأجنبي، ولم أحفظ أشعاري، ولم أحفظ من أناشيد بلادي حتى النشيد الوطني.. الأوطان هي التي تصنع الأناشيد، وليست الأناشيد من يصنع الأوطان.
أنا الولد الضال في الوطن الضال.. صرتُ أنفر حتى من الأديان، لكني أتوضأ حين أمدّ الورقة البيضاء لأكتب قصيدة للوطن المشتهى أو للحبيبة.. أبحث عن مخلّصين جدد في ملابس ديستوفسكي وجبران واسبينوزا.. أعيد حتى قراءة أشعاري وأتساءل أي ضال كتبها.. أفاجأ وأفرح بها كما الآخرون.. لم أكن هنا لحظة كتابتها.
لم أكره شيئا قدر المدرسة.. حاولتْ المدرسة جعلي غنمة في قطيع، وأنا التيس البري الذي يناطح الهواء حين لا يجد من يناطحه.
لم أكمل شيئا في حياتي، بصعوبة اجتزت البكالوريا الصناعية.. درست الأدب العربي في الجامعة ولم أكمل، ودرست الترجمة ولم أكمل، تزوجت مرتين ولم أكمل، وفي الجريدة كنت الوحيد الذي لا يوقع على جدول دوام، أجيء وأذهب حين أشاء.. فقط قصص الحب خضتها حتى آخر بسمة وآخر دمعة وآخر تلويحة قلب للوداع.
من المصنع جئت معطوبا ومقلوبا، أذهب للعزاء فأحكي النكات وأُضحِك أهل المتوفى، وأذهب لمناسبة فرح فتنسرب دموعي خلسة.. أحلم بتنظيم العالم وترتيبه وأنا لا أستطيع التنسيق بين دمعتي وابتسامتي.
قلت لها مرة: لا تعامليني على أني بالغ وتحاسبينني على أخطائي، أنا آخر الأطفال في هذا العالم، لقد فهمتني تماما، وأحبتني من الأعماق، لكن بعد ان مضيتْ.
****
الشعراء في الأمسية: واحد يمنحك الفرصة لسماع نص جميل، والآخر يمنحك الفرصة لتخرج وتدخن سيجارة ريثما ينتهي.
بين الموت والحياة.. زرعنا بذور الموت في نفوسنا، جيلا بعد جيل.. الموت في سبيل الله، الموت في سبيل الوطن، الموت في سبيل الحبيب وغيره.. لهذا بقينا أقرب الى الموت من الحياة.
لماذا لا نقول: أن نحيا في سبيل الله، أن نحيا في سبيل الوطن، كي نبنيه ونبعث فيه الحياة؟ إذا متنا؛ أي وطن سيظل ولمن؟
الذي يزرع فيك بذرة الموت، يريدك أن تضحي وتموت ليحيا هو.. سواء كان كاهنا أو سلطة أو غيرها. هذا موروثنا العربي والاسلامي..
حتى الله، هل يريدك ان تموت؟ هو خلقك لتحيا وتكون إنسانا صالحا.. من تعوّد على فكرة الموت، لن يحيا ولن يصنع الحياة.
تعالوا نجعل دعوتنا للحياة والحب.. لعلنا نميت الموت.
****
أحيانا.. لا داعي لكل وسائل التعبير.. لحظة عناق تختصر كل قصائد ورسائل الحب، دمعة تختصر كل لحظات الوداع وقصائد الرحيل والرثاء، كان يدفئنا الحزن أحيانا، والآن في هذا البرد القارس، حيث ترتجف فرائص الصحراء على امتدادها، حتى الحزن لم يعد يدفئنا.. ونحن المشرّدين بين هذه الأرض الوعرة وأدغالها، والسماء الموحلة القاحلة، وأمطارها العاقة، التي لا تُنبت سوى المزيد من الأسئلة والغموض.. حتى الجهات تتعارك في ما بينها.
يا سيّد التيه اهدني إلى تيه أقلّ، وافتح لي ثقبا لو صغيرا في جدران هذا الكون الإسمنتي الأجرب، لعل دفقة هواء تتسلل منه أو خيط من ضوء..
يا سيد العتمة؛ من أين كدّست كل هذه الأكوام من الظلام والضلال؟