محاكمة

محاكمة

هيام علي الجاويش

اللوحة: الفنانة المصرية هاجر أشرف

صديقي.. وتطلُّ برأسها.. مَنْ هي؟ أفٍّ, ستعرف لاحقاً، لكن دعني أكملُّ أولاً، وتطل برأسها عند مفرق الطريق إلى بيتها وترعبها المسافة التي طالما قطعتها دون أن تفكّر في بعدها أو قربها. أما الآن فتجدها طويلة وطويلةٌ جداً وتسأل ذاتها متى ستصل؟ فتغمض عينيها وبعد عدّة خطوات تفتحهما لترى كم قطعت من المسافة, وأحياناً تعد خطواتها وتقول متى سأصل.. لكن لا بدّ من الوصول، فالتعب يقاسمها الجهد والشمس الحارقة تسحب الهواء والظلّ، وتلك الأكياس المعلّقة بيديها تزداد ثقلاً كلّما تقدمت في المسير، أما هذا الحذاء العالي فيقاسم أقدامها الدماء.

تنظر إلى الشرفات وتوزع الابتسامات والتحيات مكابرة، إذا لولا هؤلاء الناس لفعلت كما كانت تفعل عندما كانت صغيرة، ولخلعت حذائها ومشت حافية وعاشت هذه المتعة من جديد، لكن لا بأس ها هي كادت أن تصل.. وعندها ستلقي بكلِّ أعبائها عند مدخل البيت، وأولها هذا الحذاء الضيق العالي ويا له من حذاءٍ واطٍ أيضاً، لكن عندما وصلت لم يتسنى لها فعل أيّ شيءٍ من صدمة ما رأت.

وتسأل صديقي.. ماذا رأت عند المدخل، سأجيبك: رأت أحذية.. صديقي لا تستغرب.. نعم أحذية وكثيرةٌ أيضاً، وفكّرت.. إذاً لا بدّ أن يكون أناس كثيرون في الداخل.

وتسأل صديقي كيف عَرفتْ؟ أقٌول أليس من الموجود في الخارج نستدّل عمّا هو في الداخل؟ دخلت وراعها ما وجدت، وتساءلت منْ هنَّ وكيف اجتمعنّ؟ ومتى وعلى ماذا اتفقنّ؟ هذه وهذه, هذه وهذه, وهذه وتلك و.. و.. ما الذي يفعلنّه وماذا يردنّ؟ بعد التحية دخلت إلى الداخل وسألت الذين كانوا في البيت، عن الزائرات مَنْ هنَّ؟ وماذا يردنَّ؟ فجاءت الإجابات من كلّ حدب وصوب مصحوبة بالنصح واللوم والشتائم مختتمين الكلام بعبارة: (قلعي شوكك بأيدك).

وفكّرت إذاً لا بدّ أنها وضعت نفسها في مأزق, فكيف ستتعامل مع شخصيات من حبرٍ.. شكّلتها على الورق؟ وها هي تلك كبرت وعليها تمردت، ثم حضرت وعليها تجرأت، وحمدت الله.. لأنه لم يحضر جميع منْ في كتاباتها ذكّرت.لكن لا بأس لترى ماذا يحملنّ أولاً ثم تفكّر وتجيب على كلّ حالة من الحالات.

تنفسّت الصعداء، شحذت طاقتها, تشجّعت ثمّ دخلت وقبل أن تنطق جاءتها الكلمات والشتائم من كلّ الاتجاهات, لكنها لم ترّد وبعد أن فرغن أو صمتن ليرينَ ردّة فعلها. قالت: دعوني استمع لكن واحدة, واحدة. فتكلمت امرأة كانت تجلس منفردة وتلبس حذائها إلى جوارها صبية صغيرة، لقد كانت المرأة الفيسبوكية فقالت: أتيت لأقول لكنّ بأنكنّ ذليلات وخانعات.. وظل الحيط ولا ظل الرجل، الرجل لا ظل له.. ظله للآخريات تحكم وأوامر وممنوعات, راح أي يروح للجحيم أن شاء الله

يوجد الآلاف حولي أقسم ولا أبالغ.. والتي لا تصدق تدخل على صفحتي وسترى

وأشارت بإصبعها إلى كل واحدة.. زوجك.. وزوجك.. وزوجك.. وأنت انت زوجك وأبنك وأخوك وأبوك وسلفك وعمك والبقية عندما يكبروا على نفس الطريق، وانت أخوك وزوجك وأنت.. و.. و.. ولايشرفني أن أكون معكن، ثم خرجت دون استئذان ممسكة بيد الصبية التي قدمت معها. والتي كانت ضحية لوعود لم ولن تتحقق.. وبعدها تقدم شاب بابتسامة هادئة قائلاً: أنا الوحيد بينكنّ ولكن لن أطيل أنا رفيق الشهيد أتظنين أن زواجي كان طمعاً؟ ما قيمة المال أمام راحة البال؟ أتظنين بأنني سعيد؟

من يومي الأول والشهيد وابنه يعيشان معي ومع زوجتي.. وأحجم عن الكلام وخرج. بعد فترة صمت قالت الاولى: حبيبك هو منْ غازلني وليس أنا منْ بدأ وأنتِ منْ يستحق الشفقة. أما فرح فقالت: أنا لم أشكُ لك حتي تكتبين عني لكنّ انتصار ومريم وزهرة وتلك صاحبة الأسماء والصفات فقلن: الا يحق لنا ما يحق لغيرنا, ثم منْ أنتِ حتى تُقيميننا؟ أما ندى ورهف فقالتا: لو علمنا بأنك ستفشين أمرنا لما تحدتنا إليكِ. لكن سلوى وسلمى وهند وهبة وزوجة الأنيق وتلك التي تبحث عن الحركات قلن: بأيّ حق عكّرتِ المياه بعد أن صفتْ. أما لمياء وتلك التي مات حبيبها وهذه التي أحبت مَنْ كانت تظنه فارساً وزوجة الشهيد وتلك المتيمة بالكاتب وهذه التي تبحث عن شراكة الرصيف والأخرى صديقة الحكيم والزوجة المنكوبة بأخرى والفاقدة وطنها, جميعهن قلن: مَنْ أعطاكِ الحق لكي توقظي جراحنا وأن تجعليها تنزف من جديد بعد أن تصالحنا مع أنفسنا.

أما أم أحمد فقالت: يا ابنتي (ما لك وما لوجع الناس خلي كل واحد عايش بهمه وهو أدرى بحياته واستري عليهم الله يستر عليكِ) وصاحبة الشعارات قالت: اتمنى أن يتطابق فعلك مع قولك.أما مها وتلك الثائرة فقالتا: دُعينا فحضرنا..حسناً فعلتِ لأنك كسرتِ الجليد, فلا بدّ لأشعة الشمس من أن تتسرب وتدفئ الصقيع.

وأما حبيبة ماجد وتلك العاشقة التي تريد ركوب القطار بأيِّ ثمنٍ فقالتا: مَنْ أنتِ؟ وماذا تريدين؟ ومَنْ نفسك تظنين؟ ومَنْ أعطاكِ الحقّ حتى تكتبين؟ ولماذا كتبتِ عنّا دون سائر العالمين؟ ولمّا لم تكتبي عنكِ أما من شيءٍ تشتكين؟

صديقي.. كانت تتوقف عند كلام كلٌّ منهن, ويزداد غضبها, وتزداد شهيّتها للقتال. إلاّ عندما تكّلمت أم أحمد فتلك آلمتها وأوجعتها. وبعد أن فرغنّ أجابت الجميع وقالت: أنا أتكلم عني وعنكم، استعير لصوتي حناجركم، أتقاسم معكم حزني وحزنكم، أوقظ ضميري من يقظة ضمائركم، أعجن همّي بوعاءٍ واحد مع همكم

وأنا, أنا أنافق وأكابر أكثر منكم، ألمي أكبر من ألامكم وجراحي أعمق من جراحكم أسلحتي أقل من أسلحتكم ورمحي أسوأ من رماحكم تخجلني مشاكلي أكثر مما تفعل مشاكلكم، أنوءُ وأداري همٍّ يُثقلُ كاهلي يفوق همكم، أدّعي الخير والوفر والنماء والجمال، أدّعي الرضى ورغد العيش ونيل المحال، فنحن ندّعي الكمال ونعيش في الخيال

صديقي.. الحياة فيها القبيح كما فيها الجمال، وفيها ما هو محتملٌ وما هو غير قابل للاحتمال، فلم نغمضَّ أعيننا ونعيش بالأوهام؟ فلو سمّينا الأشياء بأسمائها لكنا أكثر انسجاما.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.