محمد نديم علي
اللوحة: الفنان الفرنسي أنطوان جان غروس
الوطن مشتعل بالنضال.. الحرب تجتاح المدن، والحقول، وطائرات العدو تضرب المصانع، وقناطر المياه، والسواقي، وتفزع الطيور في أعشاشها، والصغار في أسرتهم!
الهتاف يعلو في ساحة مدرستنا الابتدائية، نموت نموت ويحيا الوطن.. (يا شباب الغد المأمول، أنتم مستقبل هذه الأمة، بل نحيا، ونحيا، ليحيا الوطن.)
أرى علم البلاد مرفرفا، ترتفع صاريته تشق الفضاء، الأناشيد تهز أركان مبنى المجمع المدرسي العتيق، الذي اعتاد أن يكون مقرا لجنود الاحتلال البريطاني البغيض.
الشوارع أمامي، تعج بحافلات وشاحنات، تحمل المهاجرين من مدن خط النار، كما تحمل بقايا أثاث وذكريات، وأطفالا يحتضنون دمى صغيرة باعتزاز شديد.
التففنا في فناء المدرسة حول زميلنا المهاجر الصغير، يحكي لنا باكيا أنه كان ممسكا بيد أمه، حين انطلقا خارج البيت راكضين مع الجموع المفزوعة في شوارع السويس؛ هربا من قصف عشوائي مجنون من طائرات ومدفعية عدو غاصب غشوم، قصف حقود شتت شمل البشر والشجر والحجر.
كان زميلنا المهاجر الصغير، يسرد حكايته بدموع حارة، شقت مجراها في وجنتيه، وكيف أنه أفاق، فإذا به ما زال ممسكا بكف أدمية دون جسد، كان قد انتزعته بعيدا شظايا عابرة، وتحولت أمه إلى أشلاء في سحابات الدخان الكثيف.
أذكر، كم احتضنا ذلك المهاجر الحبيب، وضممناه بيننا.
كانت حكاياه كلما تجمعنا حوله، تفجر في صدورنا براكين غضب.
لم أكن أدرك مغزى احتفاظ زميلنا هذا في جيب بنطاله، بتلك القطعة الفولاذية السوداء، غير المنتظمة، الحادة الحواف. وما كان يسمح لنا بغير النظر إليها، دون أن نلامسها.
***
العصافير
للسادة، والقادة، وأساطين الحرب، ولمن يحمل فوق الأكتاف نياشين النصر وزهو القتل الدموي بلا رحمة:
أعلمكم أن أزيز الطائرة الحربية يفزع كل عصافير الحي، وأحذركم وأحملكم مسئولية أن تهجرنا؛ فتموت الأشجار!
***
من ذكريات الحرفوش الصغير في زمن الحرب
كم كنت مبهورا بالبذة العسكرية التي يرتديها خالي القادم فجأة من جبهات القتال، هرولت أمي وصغارها نحوه واعتصرته بين ذراعيها، وانهالت عليه تقبيلا والتففنا نحن حوله ممسكين بساقيه!
كانت لنا طرقنا الخاصة في التسلح، فصنعنا بنادقنا من الخشب والجريد، علقناها في أكتافنا النحيلة، وقمنا بحراسة مداخل عمارتنا مع أبناء الجيران، والبنات الصغيرات، تتدلى ضفائرهن من الشرفات المزينة بعلم البلاد، يلقين إلينا بالحلوى، ونفوسنا، كما الأجواء من حولنا، معبأة بالأغاني الوطنية!