الهبوط للطابق الأرضي

الهبوط للطابق الأرضي

اللوحة: الفنان الفرنسي جان بابتيست كاربو

سألتها: إلى أين؟ الوقت لا يزال مبكرًا، لم ينتهِ الحفل بعد!

– الزحام كبير بالداخل، الجو خانق، أشعر بضيق شديد.

قلت: الجميع الآن يشعرون بالضيق، لم يعد أحد رائق البال، ثم رفعت رأسي لأعلى وأشرت بسبابتي اليمنى: أنظري ضوء النيون يجذب الفراشات، يا لها من مخلوقات ضعيفة هشّة، يبدو أنها أيضًا تضيق بكل شيء مثلنا!

ردّت بحدة لم تخل من رقة طبع أعرفها عنها، وهي تهبط السلم جواري: الفراشات مخلوقات جبارة، بداخلها نار تفوق أي بركان، يكفي أنها لا تهاب الحرارة ولا الضوء الساطع، بل تدور حوله، تناوره عن عمدِ. لا تحسبن أنها كائنات غبية، تسعى إلى حتفها و تلقي بنفسها إلى التهلكة، على العكس، بل تعي ما تفعل، تدرك مصيرها قبل أن تخطو الطريق إليه، أراها صاحبة موقف لم يرتق إليه البشر بعد. ثم أخذت شهيقًا كتمته وأطلقته زفيرًا وأكملت وهي تتحسس موضع قدمها: وقاكَ الله شر الفراشة وهي تحرق ما أمامها.

كنت أصغي إليها، أرقب رعشة شفتيها والكلمات تخرج من بينهما، اضطراب رمشيها كأنما تبعد هواجس وأشباحًا تحيط بها، لم أشأ أن أقاطعها، تركتها حتى هدأتْ، قلت لها: لم أسمع من قبل عن قدرة الفراشات الخارقة هذه إلّا الآن، على العموم هذه وجهة نظر جديرة بالاعتبار.

كنا قد وصلنا للطابق الأرضي حيث بهو واسع ينتهي إلى باب حديدي كبير، ثم شارع ” الدقي” المزدحم.. التَفَتتْ إليّ، قالت وهي تشملني بنظرة فاحصة كأنما تتبيّن صدق كلامي معها: لم أعد أطيق الوضع كله، الجو خانق بالداخل والخارج، الهواء ثقيل يتسلل إلى صدري كلسع النحل، هل جربت هذا الشعور من قبل؟، بل هل تعي ما أقول؟!

أجبتها: التلميح يكفي يا سيدتي، لكن.. وقبل أن أكمل عبارتي، لفح الهواء البارد وجهينا، وقفنا متجاورين على رصيف يعلو أرضية الشارع ببضعة سنتيميترات، كل منّا يبحث عن اتجاه يسلكه، خلفنا الباب وقد أوصد بإحكام من الداخل.. أدرت رأسي لها وقد نسيت ما سأقوله. أدرَكَتْ المرأة حيرتي، فابتسمت للمرة الأولى، أضاء وجهها بهاء طبيعي حتى عاد لصورته القديمة التي أعرفها من سنوات، مدّت يدها بالسلام، همست: لا تؤاخذني..

قلت: على الرحب بكِ دومًا، لا يغيب المرء فجأة وتطول غيبته إلّا لأمرين، شيء يشغله عن العالم أو همّ يطيح بقدرته على التواصل مع الحياة.

هزّت رأسها، وفد غامت البسمة عن شفتيها، قالت: الأمر الثاني، كأنك تقرأ الطالع.

قلت: بل صفحة وجهك فنجان ترسم بقايا القهوة على جدرانه نبأ ما سيأتي. حين نظرت إليكِ رأيت ما تعجز اللغة عن وصفه، لذلك آثرت الصمت. فلا تؤاخذيني أنت.

مدّت أناملها مرة أخرى بالسلام، تجهّمت قسماتها، قالت: إلى أين ينتهي الوضع في مصر؟ 

أخبرتها أن قلة الحيلة رداء يحتمي به المثقفون الآن، ما بين اللونين الأبيض والأسود درجات لا حصر لها وبينهم جميعًا تغيم الرؤية.. قاطع لهجتي الخطابية بعض المتسولين، أقبلوا علينا، أحاطوا بنا في شبه دائرة، كل منهم يحمل عُذرًا، يبدي مَسْكِنِة، يتذلّل. حين أبصرتهم يُهرعون ناحيتنا، ملتُ إليها وقلت: بتنا في حال غريب، فقير على الأبواب يتصدّق على آخر يقبع في القاع، أرى أن البلد أضحت كخرقة بالية يتخطّفها البعض، لكنهم لا يبالون بالحال أو بما يحدث في القاع.

لكنها لم تكن تصغِ إليّ، لقد زادت الظلال الرمادية أكثر وأكثر بيننا. شيّعتها حتى غابت في الزحام، قلت: ليت بي قدرتك يا فراشة على المواجهة، تريثتُ قبل عبور الطريق، رحت أسترجع حديثها، عيني ترقب السيارات الفارهة تمرق في الاتجاهين.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.