جمالك والحلي.. كتاب يقدم صورة جديدة للعلاقة بين الخامة والحلي

جمالك والحلي.. كتاب يقدم صورة جديدة للعلاقة بين الخامة والحلي

د. خالد عزب

خالد عزب

صدر عن بيت الحكمة في القاهرة كتاب (جمالك والحلي) للناقدة الفنية والفنانة التشكيلية رضا معوض، الكتاب يعد اضافة مميزة للمكتبة العربية، وهو خروج عن ما اعتدناه في حركة النشر في الوطن العربي، حيث يحمل الكتاب بعدا فكريا وفنيا وتطبيقيا في ذات الوقت، وهو يقدم ثقافة فنية للقارئ بأبعاد فلسفية. 

ينطلق الكتاب من ان الخامة في مجال الأشغال الفنية تعد مصدراً هاماً في تكوين الأعمال الفنية خاصة الحلي فالخامة كمفهوم لغوى تعني المادة الأولية Raw Material أي الخامة التي لم يجر عليها عمليات التشكيل والتشغيل، بمعنى أنها المادة قبل أن تعالج، والخام ما لم يعالج”. يُقصد بالمادة ما يستعمل في صنع شيء أو ما يدخل في تركيبه، فمادة التصوير هي الألوان والنغمات هي مادة الموسيقى، والفنان يعمل دائما في مادة ما فهو يبنى بالحجر أو اللون أو الكلمات”.

لذا فالخامة هي المادة التي لم تُشكل من قبل، ولكل خامة صفة تميزها عن باقي الخامات الأخرى من حيث الهيئة الشكلية والجمالية من لون وملمس وشفافية.

“وهي ما يتماثل في الشيء المنتج بعد انتهائه فإذا وصفت المادة الخام بأنها خامة فإن هذا لا يضمن أنها بلا شكل، وإنما يعنى أنها لم تشكل بعد في الصورة التي تحصل عليها بعد تحولها إلى شيء تم إنتاجه كالحلي.

فالفنان يكون حريص في اختياره للخامة دون غيرها للتعبير عنها حيث أنها تتوافق مع فكرته ومُدرِك لمعطياتها التشكيلية والتقنية.

والخامة بصفة عامة هي المادة الأولية التي يختارها الفنان عن قصد ويعيد صياغتها لتحقيق عمل فني يحمل قيم تشكيلية وتعبيرية، فالمادة الخام لا تحمل الطابع الفني إلا بعد أن يتناولها يد الفنان فيخلق منها محسوساً جمالياً.

ويذكر هنري مور Henry MOORE أهمية الخامة والصفات الخاصة بها، أن لكل مادة صفاتها وخصائصها التي تنفرد بها دون غيرها من المواد، ولا تقوم بدورها في تشكيل فكرة الفنان إلا حيثما يباشر عمله بتلقائية مباشرة من ناحية وبين الخامة من ناحية أخرى باعتبارها جهداً ابتكاريا”.

فالفنان في مجال الأشغال الفنية هو الذي يتدخل ليحول المادة الخام إلى مادة جمالية، فالمادة الخام لا تشكل من تلقاء نفسها محسوساً جمالياً، وإنما الفنان هو الذى يطوعها ويجلوا صفاءها الكامن ويترجم عن حقيقتها وثرائها الحسى.

هنا تذكر المؤلفة دور الفنان في اختيار الخامة التي تحقق له القيم التى يريدها  “فيختار الخامة بناء على القيم التى يمكن تحققها، فلا بد أن يكون العمل الفنى شكلاً محسوساً متضمناً القيم التعبيرية المراد تحقيقها في هذا العمل”.

1- المفهوم الجمالي للخامة في المشغولة الفنية:

تتعدد المفاهيم الجمالية لتناول الخامة في الفن المعاصر خاصة في الحلي ومنها:

تُعد الخامة بالتعبير المباشر هي كل ما يمكن استخدامه في تشكيل وصياغة المشغولة الفنية سواء في ما قدمته الطبيعة للفنان من خامات لها أصل نباتي أو حيواني أو ما تزخر به البيئة من خامات، وكذلك الخامات المصنعة والمستحدثة، والتى تكتسب صيغة فنية إلا بعد أن تمتد لها يد الفنان ويجعل منها واقعاً محسوساً فنياً وجمالياً، كما تحدد طبيعة الخامة وطرق استخدامها في بناء التشكيل، والخامة ليست مجرد شيء صنع منه المشغولة وإنما هي غاية في حد ذاتها يجب المحافظة عليها وإظهارها لتبين المحسوس الجمالى الذى نشعر به حين نشاهد أنه قد اكتسب ليونة وطواعية بفعل تمرس الفنان وقدرته.

كما تري المؤلفة ان كولنجوود Kolincwood يوضح المقصود بالخامة من خلال تعريفه للمادة بأنها ما يتماثل في كل من الخامة والشيء المنتج بعد انتهاءه، وإذا وصفت المادة الخام بأنها خامة فإن هذا لا يتضمن إنها بلا شكل، إنما يعنى إنها لم تشكل بعد في الصورة التى تحصل عليها بعد تحويلها إلى شيء تم إنتاجه.

ويقصد بالمفهوم الجمالي لتناول الخامة، ما يلي:

1- الفكر الجمالي والتشكيلي الذي يوظف من خلاله الفنان الخامة في بناء عمله الفني محققاً مختلف القيم التعبيرية والتشكيلية.

2- هو التفكير الاستخدامي للخامة الذي يتناول الفنان من خلاله الخامة تشكيلياً وتعبيرياً في بناء عمله الفني لتحقيق مختلف القيم التعبيرية والتشكيلية.

فالجمال في الخامات أثناء التعامل والتفاعل بالتعبير المباشر تعد “ظاهرة ديناميكية في تغير مستمر، فهو حقيقة موضوعية متناسقة توجد في بيئة ذات ظروف خاصة تدرك من خلالها”.

“ويتضمن الجمال جانباً نفسياً وهو عملية الشعور التي تُشكل دوراً في قبول أو رفض العمل والحكم عليه، فالشعور والإحساس بالجمال لم يعد يقتصر على عنصر الناتج من التنظيمات الجمالية القائمة على الانسجام ووحدة عناصر الشكل في بنائه التقليدي، وإنما عملية الإحساس بالجمال ترتبط في تفاعلها بجانبين إحداهما يخص المشاهد أو الفنان الذى قام بالتجربة الشعورية أثناء القيام بالعمل أو بعد الانتهاء منه، والأخر في العمل الفني الذى يتجسد منه فكر وإحساس الفنان”، كما يرتبط الإحساس بالجمال بوحدة العمل الفني، هذه الوحدة الناتجة من الانسجام والتناسب الدقيق بين العناصر، بحيث لا يكون هناك مجال لإضافة شيء وتغيره أو إزالته.

ومن ثم يتمثل تناول الخامة بطريقة مباشرة في بناء المشغولة الفنية على “الفكر التشكيلي الذى يتعامل به الفنان مع الخامة جمالياً محققاً له التوافق بين المحتوى الفكري والتشكيلي والتعبيري للعمل الذى يظهر القيم التشكيلية والتعبيرية”، فعندما يبدأ الفنان عمله الفني فإنه يبحث عن الخامة التي تتناسب مع فكره الفني، حيث أن كل خامة تحمل صفات حسية وتركيبية وقيم تشكيلية وتعبيرية، ففي التعبير المباشر تكون الخامة المثير الأول لتحقيق الفكرة التي يرغب الفنان التعبير عنها.

وترى الدارسة أن الممارس في مجال الأشغال الفنية يجب أن تظهر الخامة كل ثراء لها في العمل الفني على يد الفنان المبدع، وأن تتضافر كل العناصر المادية المستخدمة في تكوينه حتى يتحقق الإحساس الجمالي له، فخامة الجلد قبل تشكيلها لا تحمل نفس التأثير بعد ذلك وهو ما يسمى بالتجاوب الحسى للخامة، حيث تتحول على يد الفنان إلى شكل جمالي معبر، كما في (شكل 29) تعبير مباشر بخامة الجلد الطبيعي للفنانة أكاشا Akasha يتضح فيها كيف استفادت الفنانة من الخصائص الطبيعية لخامة الجلد مستفيداً من إمكانياتها التشكيلية القابلة للطى والكرمشة التي توحى بتعدد السطوح من لون و ظل وضوء وتظهر الملامس ويظهر الفاتح والغامق وشكل مما يعطى ظلالاً توحى بالتجسيم في المشغولة الفنية لإبراز فكرتها التشكيلية وما تحمله من قيم جمالية وتعبيرية.

“فالخامة لا تُشكل من تلقاء نفسها محسوساً جمالياً ولا تكتسب صفاتها الفنية ولا تؤدى إلى علاقات تشكيلية، وأن الفنان هو الذي يتدخل ويتناولها ليحول الخامة بطريقة مباشرة إلى مادة جمالية فهو يطوعها ويجلو صفائها الكامن، ليبتكر منها شئياً محسوساً قادراً على الإفصاح بلغة تعبيرية، ليكتشف إمكانياتها التشكيلية من خلال التعامل معها بأساليب متعددة”.

في التعبير المباشر بالخامة من خلال أساليب التشكيل والتقنيات المختلفة يعبر الفنان عن فكرته في مشغولته الفنية، بدءاً من تفاعله مع الخامة، واضعاً أمام عينيه إمكانياتها التشكيلية والتقنية، حيث يكون هدفه الأساسي هو تطويعها في عمله ويستطيع بواسطتها أن يكتشف ما بداخلها وكل ذلك يتوقف على الفنان وحسن اختياره للخامة”.

قدمت المؤلفة عدة نماذج للخامة والحلي منها اعمال الفنانة: داليا فوزي عبدالله؛ مثل المشغولة: قلادة صدر.

الخامة المستخدمة: طوق معدني من النحاس، قرن عظم، سلاسل نحاس أصفر مؤكسد، خرز، بلاستيك، خشب أبانوس، صدف، عظم، خراطيم من البلاستيك الشفاف – سيور شمواه.

التقنيات المستخدمة: التوليف والتجميع.

وصف وتحليل المشغولة:

 رؤية معاصرة لمشغولة الحلى عبرت عنها الفنانة مباشرة بتوليف مجموعة من الخامات دون المساس لهيئتها الشكلية، وتذكر لنا الفنانة “داليا فوزى” في وصفها للمشغولة الفنية “عبارة عن طوق رقبة من سلك نحاس معدني يتدلى منه شريحة مربعة من البلاستيك بها انحناءة من أعلى مثبتة في الطوق بسيور رفيعة و تربط بشريحة أخرى دائرية تحتوى على فراغات بينية من خشب الأبانوس يتخلل الفراغ سيور شمواه تعلو أيضا قرن العظم يتدلى منها صدفة، مثبت بالشريحة المفرغة من الجانبين قرن عظم مقسمة لنصفين متماثلين إطاره الخارجي عبارة عن خطوط منحنية تضيق وتتسع في المساحة من أعلى إلى أسفل، ينسدل من أعلاه ومن أسفله مجموعة من السلاسل في خطوط مستقيمة ذات أطوال مختلفة مزينة من أسفل في النهايات بخرز أحمر يأخذ هيئة قوس وهو مفهوم رمزي يعكس مفهوم الفنانة من خلال الرمز والشكل ونجد ترديد للأقواس أعلى حافة قرن العظم للإطار الخارجي يعطى نوع من الحركة المرنة.

  وتكرار الدوائر في السلاسل يدل على فكرة الانغلاق وتحقيق الرمزية الذى يؤكد على القيمة التعبيرية للخامة، والدينامية المرتبطة بذاتية الفنانة حتى تعبر عن أشكال وصياغات فنية ذات أفاق مختلفة المضمون والشكل لتتضح دوافع الفنانة في تقديم رؤى منفردة من الحلى النحتية المستلهمة من الفن الأفريقي التي تقوم على الكيفية التي يركب أو يجمع أو يحذف بها بنية العناصر والأشكال والخامات التي تم اختيارها بعناية للتعبير المباشر بالخامات هنا يتضح سرعة إدراك الفنانة ولكن هدف التعبير المباشر لقطع الزينة هنا يبرز فكر وأسلوب الفنانة في التجريب والتوليف بشكل قياسي لحل المشكل الفني الذى يطرأ، ومدى موائمتها لخبراتها الفنية الأكاديمية للتوصل لأشكال من الحلى تشعر المشاهد المرتدي لها بوصفها منحوتات لينة ذات أبعاد جمالية وتشكيلية قابلة للارتداء وظيفياً.

  تتسم المشغولة بالوحدة والاتزان من حيث تناسبها مع أجزاء الجسم المختلفة وتوزيع ثقل الخامات وأحمال العناصر الجاهزة، مع مراعاة حرية الحركة وعامل الأمان حيث نجد في المشغولة الفنية بعض خروج محاور وبروزات تتصف بأطوالها وانحناءاتها خارج إطار احتواء الجسم لها. هنا يتضح قدرة الفنانة على تطويع الإمكانات التشكيلية للخامات وتمكنها من تغيير أساليب التنفيذ بين لحظة وأخرى في تفكير مستمر لحل مشكلات التركيب والتثبيت والتوليف بين الخامات وتقنيات التشكيل، والعمل الذي يتم تنفيذه بالتشكيل المباشر تتوالى خطوات تنفيذه خطوة تلو الأخرى فلا يوجد تصميم يهتدى به الفنان ليعرف الخطوة التالية في المشغولة الفنية.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.