د. عوض الغباري

صدر عن دار الأدهم للنشر والتوزيع في القاهرة كتاب «مع الجاحظ» للدكتور عوض الغباري أستاذ الأدب العربي والنقد بقسم اللغة العربية، كلية الآداب جامعة القاهرة، يتناول فيه أسلوب الجاحظ وفكره في عدد من كتبه منها: «البيان والتبيين» و«البخلاء» و«المحاسن والأضداد» و«رسالة الحنين إلى الأوطان» و«رسالة الربيع والتدوير» ورسالته في النساء وغيرها.. وفيما يلي يقدم الدكتور الغباري عرضاً سريعاً لكتابه:
الجاحظ من رواد صياغة النثر الفنى فى الأدب العربى، وقد أحببت شخصيته من خلال قراءة كتبه ورسائله وما اتسمت به من بلاغة الأسلوب وعمق الفكرة.
والسخرية فى أدبه باب ساحر عكس فلسفته فى بساطته وروحه المرحة وتواضعه وتودده إلى القارئ.
أما أسلوبه السردى فعلامة على أثره فى إمتاع المتلقى، فضلا عن إفادته بغزارة معارفه وموسوعية مؤلفاته.
ويشتمل هذا الكتاب على عشرة فصول؛ أولها عن كتاب “البيان والتبيين”. ويعد الجاحظ من رواد التنظير للبلاغة العربية من خلال كتابه هذا.
وكتاب “البيان والتبيين”، بمختاراته الأدبية تأسيس لمعالم البلاغة العربية وعلومها، وبحث جماليات العبارة الأدبية فصاحة وبيانا وتصويرا. ويبرز الحوار فى كتب الجاحظ بأسلوب يفند الآراء، ويعرضها بموضوعية واقتدار على الإقناع بالأدلة والبراهين. وكتاب البيان والتبيين موسوعة من أربعة أجزاء حافلة بألوان البلاغة والبيان والفصاحة فى التراث العربى.
وقد رفدته ثقافة عربية أصيلة، واطلاع على الثقافات الأخرى التى ماج بها العصر العباسى تجلت فى صقل أسلوبه، وغرارة مؤلفاته.
أما كتاب البخلاء – موضوع الفصل الثانى- فدرة من درر الجاحظ، وقد كشف عن عالم البخلاء، واستبطن أحوالهم، وحلَّل نزعاتهم النفسية . وماجت تصوراته الطريفة عنهم بصنوف من السخرية الممتعة، والنوادر المضحكة. من ذلك احتجاج البخلاء تبريرا لبخلهم، وقد تغافلوا عن مذمته، فجعلوه حكمة، وتنافسوا فى الحرص عليه مما صوره الجاحظ بقصص ممتعة لبخلهم فى لوحات فكاهية معبرة عن المفارقة بين البخل عيبا، وتصورهم عنه حكمة وتعقلا لمواجهة تقلبات الزمان.
ومع كتاب “الحيوان” ننتقل إلى الفصل الثالث عن الحَمام. وكتاب الحيوان موسوعة تناول الجاحظ فيها ما يتصل بالحيوان من علوم وأشعار وآداب وطرائف وحِكَم وأمثال وما يتخللها من سرد رائع.
وننهج فى موضوعات هذا الكتاب نهجا يصل النظرية بالتطبيق من خلال إيراد نصوص مختارة بعناية يتجلى فيها الفكر النظرى.
ويتناول الفصل الرابع رسالة “الحنين إلى الأوطان” وهى من أروع رسائل الجاحظ فى حب الوطن، والانتماء إليه.
والإنسان مفطور على حب الأوطان مما صوّره الجاحظ بفكر فلسفى ورؤى نفسية معبرا عن طبيعة الفكر الراقى وتجسيد التجارب الإنسانية بصدق وعمق.
وقد حَثَّت الأديان على حب الأوطان، وتغنى الشعراء والأدباء بحب الوطن.
وقد طاف الجاحظ بتراث العرب وفلسفات العالم فى الحنين إلى الأوطان. وتترى نصوص الجاحظ فى حب الوطن حاملة حكمة الإنسان، وفلسفة الحياة.
ويتناول الفصل الخامس رسالة الجاحظ فى النساء؛ مجلى آخر من مجالى تفرده الأدبى.
كما تصور هذه الرسالة المكانة العزيزة للمرأة فى المجتمع العربى، وما حظيت به من آداب وأشعار شدت بالغزل والحب لها مما يمثل ركنا ركينا فى الوجدان العربى.
ويصور الجاحظ المرأة من منطلق نفسى أصيل يربط الحب والخير بها.
ويعدِّد محاسن المرأة فى صور بديعة، وينتصر لها ويوليها ما تستحقه من إجلال وتقدير.
ورسالة النساء معرض جميل لقصص الحب ، وللصورة الرائعة للمرأة مثالا للجمال الذى يرصد الجاحظ مظاهره فى استبصار واع بطبيعة المرأة، وأسلوب تتجلى به خصائص فن النثر فى أبهى صوره .
وفى الفصل السادس نمضى مع الجاحظ وتصوره للأخلاق الإنسانية المحمودة، ونقيضتها المذمومة بين المعاش والمعاد.
وهى دعوة إلى التحلى بمكارم الأخلاق فى الدنيا لتكون زادا لصاحبها فى الآخرة. وضمير الجاحظ يقظ لكل قيمة إنسانية جميلة تنفع الناس، وتمكث فى الأرض.
وأدب الجاحظ باعث على التفكر فى غاياته النبيلة بما يتحلى به أسلوبه من بيان يخلب اللب، ويثرى الوجدان.
وكتابات الجاحظ كاشفة عن شخصيته الأدبية ، ومنها هذه الرسالة التى تنضح حكمة ونفاذا إلى أعماق فلسفة الحياة والموت. كما تتسم بهذا الأسلوب الفنى الذى يجعل أدب الجاحظ متعة كبرى لقارئه.
والهدف من هذه الرسالة التدبر فى عواقب الأمور. يصور الجاحظ ذلك بقول حكيم مؤداه أن الشهوات مدعاة لسوء الحال، والعقل المتزن حائل دون سوء المنقلب. ونتيجة الأخلاق المذمومة تحيل أصحابها إلى “ذل العدم، وفقد عز الغنى فى العاجل، والندامة الطويلة والحسرة فى الآجل”.
ومن مميزات أسلوب الجاحظ أنه لا يفقد رونقه مع عمق أفكاره الفلسفية.
ومن روائع هذه الرسالة قول الجاحظ : “والصدق يوجب الثقة، والكذب يورث التهمة، والأمانة توجب الطمأنينة، والعدل يوجب اجتماع القلوب”. ومثل هذه الروائع كثير فى أدب الجاحظ من بلاغة تأخذ طابع الحكمة والمثل، وتحليل يتعمق فلسفة الأخلاق.
والفصل السابع فى الجد والهزل، وهو متسق مع شخصية الجاحظ فى مراوحته بينهما . ورسالة “التربيع والتدوير” بالغة الدلالة على فلسفة المفارقة فى الأداء الفنى للجاحظ، وتجسيد هجائه الساخر لشخص يعتقد فى نفسه، خطأ وجهلا، أنه جميل ذو علم ومكارم أخلاق ، ويبالغ الجاحظ فى السخرية منه بوصف جماله وعلمه وكريم خصاله إمعانا فى التهكم به.
ويستند الجاحظ إلى ثقافته الواسعة، وطابعه الفلسفى، وميله إلى الفكاهة فى الاحتجاج الساخر لما رآه فى هذا الهجاء.
ورسالة التربيع والتدوير قطعة أدبية نادرة للجاحظ تجلى فيها أسلوبه فى المرواحة بين الجد والهزل. وفنون السخرية لدى الجاحظ باعثة على الهزل، وثقافته العميقة خلالها غاية فى الجد، والمفارقة بينهما سجال بين طرائف ونوادر امتزجت بعمق فكرى فلسفى، وأسلوب قصصى جذاب.
أخذ الجاحظ يوازن بين الجد والهزل فى نصوص دالة على قدراته على التحليل والتفسير والتقييم.
ويعرض الجاحظ للجد والهزل برؤية ثاقبة، وبصيرة نافذة وأسلوب رشيق وفكر متفتح، ونفاذ إلى واقع الحياة.
ويحمل كتاب “المحاسن والأضداد” المنسوب إلى الجاحظ سمات أسلوبه من حكمة وفلسفة وبلاغة. وهذا هو موضوع الفصل الثامن من هذا الكتاب. وتتجلى فلسفة التحسين والتقبيح المعتزلية فى “المحاسن والأضداد” بالإقناع بالشئ ونقيضه، مما يمتلكه الجاحظ فيلسوفا معتزليا . وجدلية هذه الفلسفة لون من الحجاج العقلانى المثمر الذى يتطرق بنصوصه الثرية الممتعة لتحليل كل مسألة من المحاسن وأضدادها . ويزخر كتاب “المحاسن والأضداد بنص رائع عن محاسن الكتاب مصدرا للعلم والمعرفة والأنس، وما يثيره من مشاعر متباينة مثل الفرح والحزن ، ومنه: “الكتاب وعاء مُلئ علما، وظرف حُشى ظرفا، … وإن شئت سرَّتْك نوادره، وشجتك مواعظه… ولا أعلم رفيقا أطوع، ولا مُعَلمًا أخضع من كتاب”.
ويتجلى أسلوب الجاحظ فى أروع بيانه وصفا للكتاب، وقد كان ملازما محبا له، فجاء وصفه للكتاب تعبيرا صادقا جميلا عن هذا الحب.
ولعل وصف الجاحظ لأثر الكتاب النافع فى النفس قد حبَّبنا فيه واحة للعقل، وراحة للضمير، وغذاء للروح والوجدان.
ويلقانا الفصل التاسع برسالة للجاحظ عنوان: “كتمان السر وحفظ اللسان” تتحلى بحكمة مقال الجاحظ، وبلاغة أسلوبه، انتصارا للقيم الإنسانية الرفيعة.
ويستعرض الجاحظ فضيلة كتمان السر وحفظ اللسان بكثير من الأشعار والأخبار والمثل والحكمة والاستعانة بآيات القرآن الكريم والحديث النبوى الشريف لإسداء النصح الخالص لوجه الله داعيا إلى التحلى بهاتين الخصلتين النادرتين.
واللسان ترجمان القلب، والقلب مستودع للخواطر والأسرار، فلا يجب الانسياق وراء هفوات اللسان، والاستهتار بحفظ الأسرار. وحفظ اللسان من حِلم الإنسان ، وإطلاقه ، فى غير نفع ، جهل وإفساد، والصمت أبلغ من الكلام وشهوة إطلاق اللسان بما يسيئ إلى صاحبه بقدر ما يسيئ إلى الآخرين.
وإعمال العقل وسيلة الجاحظ وغايته فى توجيه المجتمع الإنسانى إلى دواعى الخير والنصح الرشيد إلى مجاهدة النفس وكبح جماحها صونا للحقوق وإعلاء للقيم الإنسانية الأصيلة.
وتتميز الرؤى النفسية فى تحليل الجاحظ للظواهر الإنسانية بخيرها وشرها من خلال أبعادها الفلسفية العميقة.
والفصل العاشر والأخير لهذا الكتاب تناول لرسالة طريفة للجاحظ فى ذم الكُتَّاب خلافا للسائد من مدحهم على طريقته فى التحسين والتقبيح فى الفلسفة الاعتزالية. وتحمل هذه الرسالة جوانب من قدرة الجاحظ على الحجاج بالشئ ونقيضه مما يعد متعة عقلية . قد تكون هناك مساوئ للكُتَّاب، وهذا أمر لا يخصهم وحدهم، لكن الجاحظ ركز على هذه المساوئ تحقيقا لغايته من الاقتدار على الجدل مستندا إلى الدليل والبرهان بمنهج عقلانى فلسفى يتميز به الجاحظ فى مؤلفاته.
ويهدف الجاحظ فى هذه الرسالة إلى بيان أهمية أمانة الكلمة، وآداب الكتابة التى يتجاوزها بعض الكُتَّاب حرصا منه على المثل العليا التى تتحلى بها صفاته ومؤلفاته.
ومع ذم الجاحظ للكُتَّاب فى هذه الرسالة فإنه يحترم قدر الكاتب الذى يلتزم بالأمانة والضمير والنزاهة والتجرد وفقا لقول الشاعر:
فلا تكتب بخطك غير شئ يسرك فى القيامة أن تراه
الأستاذ الدكتور عوض الغبارى أستاذ الأدب العربي – قسم اللغة العربية – كلية الآداب- جامعة القاهرة. ورئيس قسم اللغة العربية – كلية الآداب سابقا. ومدير مركز جامعة القاهرة للغة والثقافة العربية سابقا -أستاذ زائر للغة العربية وآدابها بجامعة أوساكا للدارسات الأجنبية باليابان سابقا. وعضو الجمعية اليابانية لدراسات الشرق الأوسط.
له أكثر من (٣٦) كتابا، منها: «الأدب المصري من الفتح العربي الإسلامي لمصر إلى العصر العثماني». «دارسات في أدب مصر الإسلامية». «نقد الشعر في مصر الإسلامية». «مقامات السيوطي». «مناهج البحث الأدبي». «مصر في أدب الرحلة في العصر العثماني». «شعر الطبيعة في الأدب المصري». «مصادر التراث العربي». «حافظ إبراهيم؛ شاعر النيل». «محمد عبده؛ رائد الإصلاح والتنوير». «عائشة عبد الرحمن؛ بنت الشاطىء». إضافة إلى أبحاثه في الدوريات العلمية المحكمة والمؤتمرات.. نال عددا من الجوائز؛ منها: جائزة التفوق العلمي لجامعة القاهرة عام ٢٠٠٧، جائزة عبد العزيز الأهواني للتميز الأكاديمي للبحث العلمي في الأدب المصري عام 1991، جائزة طه حسين للتفوق الدراسي – قسم اللغة العربية –كلية الآداب – جامعة القاهرة عام 1977.