هيام علي الجاويش
اللوحة: الفنانة المصرية لينا أمين
صديقي.. وقف يلقي خطبته في الجموع الحاشدة قائلاً:
بسم الله الرحمن الرحيم، وباسم هذا البلد الأمين، وباسم التراب الذي مكّن الله لنا فيه رب العالمين، وباسم دم الشهداء الذي روى فأزهر فلاً وياسمين، وباسم العلم الذي شرف وتشرّف بأجساد الطاهرين، وباسم جراح وأنين الجرحى الأولين والآخرين، وباسم الفتية الذين للشهادة متلهفين منتظرين، باسمهم جميعاً نقسم بأننا سنكون قبلة للعالمين، باسمهم جميعاً نقسم بأننا سنكون منارة للتائهين، ونقسم بأننا لن نغدر حتى ولو غدر الناس أجمعين! إن لنا في الرسل قدوة وأسوة بمحمد رسول المسلمين، نقسم بأننا سنحمي الجوار ونحمي العرين حتى ولو كره الخائنون المتآمرون والغاصبون، سنبني ونقسم سنبني المدارس للموجودين والآتين، والمساجد والجامعات والكنائس وما هو للدنيا وللدين، وسنجعل أبوابها مشرّعة ومفتوحة لكل القاصدين، لا الغرب ولا الأمريكيون ولا الصهاينة ولا العرب المتصهينون سيثنوا من عزيمة الأحرار الأبرار الذين آمنوا برب العالمين.
صديقي.. يتوقف هذا عن الكلام عند قدوم أخر، والآخر يأتي على أصيلة.. الغبار يسبقه بأمتار ويتبعه بالكيلو مترات، ويترجل الفارس عند الجموع وينادي بالصوت العالي منْ السيّد؟ لكن.. لا يأته جواب، من جديد ينادي: من السيّد هنا؟ ألا أسياد بينكم؟ لا إجابات أيضاً، مرة ثالثة.. أين سيدكم؟ أكلكم عبيد؟ وينبري أحدهم ويقول: لكن من أنت؟ وماذا تريد؟ فيجيبه.. لن أتكلم إلا مع سيدكم، فيرد عليه آخر.. كلنا أسياد ولكن يخشى أحدنا أن يقول أنا فُيسقط الصفة عن الجميع، أو يقول هو فيُسقط الصفة عنه وعن الآخرين، ولكن لنا ولك سيّدٌ وحيد ورفع صورة كانت بيده، فقهقه هذا الفارس المغوار باستغراب واستنكار واستهزاء واستكبار قائلاً: أهذا سيدكم؟ هذا خائن وقاتل، ألا تسمعون الصوت الهادر؟ ألا ترون الشعب الثائر؟ فيخرج من الجمع أصغرهم، ويقول: أنا من الشعب الثائر، نعم هو خائن وقاتل، وإذا شئتم مارق وسارق
خائن لأنه بدم الاحرار لم يتاجر وقاتل لأنه على دمائكم يحافظ، هو مارق لأنه على قوانينكم لم يوافق، و سارق لأنه بمصالحكم غير عابئ، وهو أكثر من ذلك..يعرف لغاتكم كلها لكنه بغير عربيته غير ناطق، ولكن ابحثوا في التاريخ لعل هذه الصفات شمائل، واسألوا اللغة العربية لعل الذي ذكرت من الفضائل، هو من مضر وغسان، من عدنان وقحطان، وجذوره من أولائك الأوائل، عربي الهوى، والماء، عربي الدماء والأرض والسماء، عربي اللغة واللفتات والصفات، هو من يقول لا اله إلا الله واحد لا شريك له، هو اليهودي هو المسيحي هو المسلم هو المؤمن، لكن منْ أنت؟ أنت.. من يدخل الغريب بيته وعلى زوجته ثم يقول هذا تاجر، أنت الغربي أنت الأمريكي أنت الصهيوني أنت العربي الخائن , أنت العربي المتآمر، أنت من لا دين له، ومن يقول لا أله إلا المال لا شريك له إلا النساء؛ فرعد ذاك الذي قلنا عنه فارساً وأزبد وتوعد، ثم أخرج ورقة من جيبه وقال: هذه لسيّدكم وركب سيارته وقال: أنا راحل فأنتم غير أحرار وإنما تنفذون أوامر ورحل.. الغبار يسبقه ويتبعه كما قلنا سابقاً.
وأراك صديقي تسأل عن أمرين أثنين، الأول.. كيف تركوه يرحل؟ والثاني.. كيف قلت عنه فارس على أصيلة، ثم عندما غادر قلت ركب سيارته؟ فأما الأمر الأول: أجيبك أنه ليس من عاداتنا قتل من يحمل الرسائل. أما الأمر الثاني فإن ركب سيارته أو طيارته أو حتى صاروخه فهذا لا يعنينا فتلك وسائل. وإنما أسأل أنا عما أنت سائل: هل بقي هناك فرسان وأصايل؟ إن الأصايل أبتْ أن تبقى أصايل بعد أن أصبحنا نطلق رصاصات الرحمة عليها وعلى كل الحرائر. ولذلك لا فارس بدون فرس، لكن أقول للذي يود أن يكون فارساً ويركب الأصايل عليه أن يأخذ حفنة من ترابنا ليضعه في المكاحل، أو أن يلبس بقدميه حذاء أي جندي من جنودنا البواسل.