الحياة من أجل قيمة 

الحياة من أجل قيمة 

اللوحة: الفنان المصري وليد عبيد 

وهب اللهُ الإنسان حياة واحدة، هي أغلى ما يملك، ومع ذلك يغامر بالتضحية بتلك الحياة ويجعلها فداءً لقيم كثيرة، يثني الناس على شهداء الدفاع عن الدين والوطن والحرية والعِرض ..إلخ، والسرديات كثيرة عمن قتل في سبيل قيمة ولكن نادرا ما تتحدث عمن عاش في سبيل قيمة، وكما قال أحد الحكماء: “نحن نسارع للموت في سبيل الله ولا يخطر ببالنا العيش في سبيل الله” وأشهر القيم جدالا هي قيمة الشَرَف أو العِرض عند العرب، والتي تحتاج ترتيب في سُلَّم القيم.

قطعت عصابة مُقَنَّعة الطريق على رجل ومعه أمرأة، هي زوجته أو أخته أو أمه، وضع الأول السكين على رقبته، ووجه الثاني مسدسا إلى وجهه، وقبض الثالث على المرأة ينوي اغتصابها، لو قاوم الرجل سوف يُذبح بالسكين أو يُقتل بالسلاح الناري، ثم ينفردوا بالمرأة، وبعد اغتصابها ربما تُقتل أو تُلقى في الطريق ويهربوا فارين بجريمتهم.. أكثر السرديات العربية تُجْمع على خيار واحد: التهور بالمقاومة حتى لو تعرض هذا الرجل للقُتل، ولو استطاع كل منَّا توجيه هذا السؤال لمن حوله من الناس لأدراك الإجماع على هذا الرأي.

في فيلم أمريكي، قام رجل مع زوجته برحلة على متن يخت خاص، شاهدا جسدا لرجل يطفو على الماء، فقاما بإنقاذه وعلاجه حتى استرد عافيته خلال أيام قليلة، وفجأة غدر الشاب بالزوج وصرعه وألقاه في قارب صغير، ثم قاد اليخت منفردا بالزوجة التي هم بالاعتداء عليها وهي مقيدة، وبالإضافة لقوته الجسدية كان مسلحا، فقالت له في محاولة للمراوغة: أعتقد أنك ستستمتع أفضل لو فككت وثاقي، فأنا لا أمانع، ففك وثاقها، وزيادة في خداعه حاولت إظهار انفعالها الجسدي معه حتى اطمأن الشاب وتراجع حذره، ثم حانت فرصة فأمسكت بقطعة من الحديد وضربته عدة ضربات على رأسه بقوة ثم أوثقته بإحكام، وأدارت دفة اليخت عائدة بحثا عن زوجها حتى وجدته وأنقذته.. كنت شابا عندما شاهدت هذا الفيلم فأصابتني دهشة وحيرة، ومصدر هذه الحيرة يرجع لأني عربي، فالعربي سواء كان رجلا أو أمرأة، مسلما أو مسيحيا، سوف يشعر بنفس الحرج.

أحاول تخيل إحداث تبادل في شخصيات القصة، كأن تصبح المعتدية امرأة قوية ماهرة في المصارعة، كما في أفلام الحركة الأمريكية، فتصرع الزوجة والزوج، ثم تضع الزوجة في القارب وتنطلق باليخت مع الزوج المقيد، ثم تحاول اغتصابه، هل لو لجأ الزوج لنفس حيلة الزوجة في القصة السابقة سيتقبل العربي؟ أعتقد أن العربي سيتقبل القصة ويمدحون الزوج لذكائه ولن يشعر العربي بالتناقض. 

نشر الدكتور عارف حجاوي في تدوينة على تويتر قال: الروابط بين العرب اللغة والتاريخ والجغرافيا وموقفنا من الجنس، موقفنا من الجنس بيفطس من الضحك، أمانة الله لا تترجموا هذه التغريدة حتى لا نصبح مضحكة الشعوب، عندما حدث الغزو الأمريكي للعراق، أشتهر سجن “أبو غريب” وانتشرت صور رهيبة يقشعر لها البدن، فقد أجبروا السجناء الرجال على الممارسة الشاذة مع بعضهم، وإن رفضوا سيذيقونهم العذاب الذي لا يطاق، صورهم المنشورة وهم كومة من البشر العراة فوق بعضهم شهيرة، ووصلت الإهانة لأقصى حدودها، هذا لأن الأمريكان درسوا نظرة العرب للجنس والشرف والإهانة الجنسية، الإهانة في ما يخصه من نفسه أو نسائه سواء كانت أم وزوجة، أو أخت وابنة ..الخ، مع العلم أن هذه الطرق من التعذيب لا يخطر أن يستخدموها مع إنسان غربي، فليس لديهم نظرتنا وثقافتنا تجاه المرأة، فأفكار الغربي والعربي عن الجنس والكرامة والشرف مختلفة تماما.. السؤال الهام هو: هل كان على السجناء أن يرفضوا ويضحوا بحياتهم؟ أليس هذا يعتبر الشرف الذي يموت المرء في سبيله؟ والسؤال الأهم: هل اختاروا هذه الوسيلة لعلمهم أننا عرب؟

عقب غزو العراق للكويت، نشر عبد الوهاب مطاوع في بريد الأهرام، رسالة من طبيبة كانت في تعمل مع زوجها في مستشفى كويتي حين هجم الجنود على الجميع، وحدث هرج واغتصاب وبذل الجميع جهده في مقاومته حتى قتل أحدهم مدافعا عن اغتصاب زميلة بالمستشفى، واغتصبت الطبيبة مع النساء أمام زوجها، مرت التجربة وعادا للقاهرة، اشتكت في رسالتها من مشاعر ثقيلة في نفسها ونفس زوجها الذي ينفر منها دون أن ينطق، وفي نفس الوقت كانت تعذره لمشاعره تجاهها، وفكرت في تريحه بأن يطلقها، كانت تتحدث وكأنها تلوثت بالاغتصاب، ثم أرسل الزوج رسالة نشرها الكاتب، يشرح له مشاعره ويؤكد أنه فعلا فكر في طلاقها، رغم علمه بأنها ضحية.. أنكر مطاوع عليها منح زوجها العذر في نفوره وهي الضحية، وفي هذه القصة نموذج لثغرة خطيرة في تكوين الرجل العربي والمرأة العربية اللذين لم يحصنهما التعليم الجامعي من تلك الثقافة الجاهلة المتخلفة التي تكدر الحياة.

في جريدة المصري عام 2014، انتقد الإعلامي عمرو أديب فتوى الدكتور ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية، حين قام بالقياس على فتوى للإمام عز بن عبدالسلام، عن وجوب تسليم المال للصوص تحت تهديد القتل، فأفتى (برهامي) بأنه حين تُشهر عصابة السلاح في وجه الرجل وتهم باغتصاب زوجته، يجوز له حفظ النفس، وقال «أديب» موبخا: «أنا من حقي أقول رأيي في حاجة زى كده، لأنها فتوى مؤلمة فى مجتمع بنحاول نصحي فيه روح النخوة ونمنع أفكار التوحش، بلاش زوجتك هنقول مش من دمك، طب لو حد حب يغتصب أمك، أنا نفسي أسأل الشيخ ياسر، لو أمك أو أختك أو زوجتك ماذا ستفعل؟»

وبغض النظر عن موقفي من صاحب الفتوى ولكني أتفق معه في أنَّ الروح، سواء روح الرجل أو المرأة، أولى بالحفظ، فالذي يقاوم شخصا مسلحا بينما هو أعزل سوف يقتل حتما، وبعد أن يقتل سوف يتم الاغتصاب، ففي ترتيب القيم لا بد أن نعرف أن حفظ الروح أولى من المغامرة بها في مقاومة يائسة، هذا بالإضافة إلى أنه لو قتل فسوف تغتصب وتقتل، فالقتل يجر إلى قتل، ولكن لو حفظ نفسه فهناك احتمال أن يمر الحدث بحفظ روح الرجل والمرأة.. في أحد المنتديات الأدبية ذكرت تلك القصة، فقالت أديبة: نعم أفهم كلامك ولكن لا أعرف لو حدث هذا الموقف كيف سأنظر إلى عين زوجي؟

هذه الأديبة المثقفة لم تستطع التغلب على نشأتها، ولا شك أنها لم تتخيل تلك المعاناة في جوهرها جيدا، فمن المعروف أن العلاقات الجنسية تتعكر بسهولة، الزوج والزوجة يجتهدان في خلق مناخ رومانسي للقاء جسدي، أضواء وموسيقى وغرفة مغلقة وروائح، ومع ذلك مجرد حدوث أي طارئ يفسد كل شيء، رنين تليفون، زائر يطرق الباب، سماع صوت صاخب بالخارج، كيف نتخيل أنَّ الاغتصاب تحت تهديد السلاح وبشكل علني وعنيف يمكن أن يخلف أي متعة أو ذكرى طيبة، هذا اعتداء ومعاناة، والمعتدَى عليه ضحية القسوة، يجب الرفق به ومعالجته كي يشفى من التجربة، فلا فرق بين الاغتصاب والضرب والطعن.

الاغتصاب جرح مادي ومعنوي كبير، ولكن الحياة تمنح الإنسان فرصة لمعالجة جروحه والشفاء منها، وربما معاقبة المعتدي، وهذا الموضوع يحتاج لمراجعات ودراسات جريئة تتعامل مع ثغراتنا الفكرية التي لم تراجع منذ مئات السنين، فلم نعد نملك رفاهية التخلف.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.