المسافرة

المسافرة

اللوحة٬ الفنان الهنغاري كونراد بيرو

محمد محمود غدية

موفورة الملاحة بوجنتين وشفتين وعينين نجلاوين مسالمتين، تفيض بالصحة الفياضة.

في أتيلية لبيع اللوحات الفنية توقفت طويلاً أمام لوحة “الشاردة” التي رفض الفنان بيعها، لما تحمله من وجع في شرايين الغياب.. 

يحمل الإنسان بداخله تناقضات، قد تبلغ حد الجمع بين الأضداد، كالغموض والوضوح، النبالة والخسة، الإحجام والإقدام، الصدق والكذب، الحب والكراهية هي أشياء عصية على الإدراك.

بحرت به الزوارق إلى جزر الحياة المبهمة الغامضة، زوارق الحب وحدها هي من وضعته في منتصف المسافة بين عالمين متناقضين في طبيعتهما وتكوينهما، عشق الفن لأن فيه حياة في محاولة لزحزحة الهم بعض الوقت، ليستأنف بعدها رحلة الوجع التي لا تنتهي.

الليل في لوحاته كائن بليد يعيش تشكيله على هواه، وكأنه يلقى بمحبرة الألوان كاملة على اللوحة، فتصبغ بالسواد، باستثناء “الشاردة” طالتها المساحة الأكبر من الوجع، والتي توقفت أمامها موفورة الملاحة لأنها تشبهها، وكأن ما يحيط باللوحة يتشكل من دمعاتها، ملامح غريق يتوسل النجاة.

سألتْه: لماذا كل هذا الوجع والسواد وكأنك الراكب الوحيد في قطار الحزن، أشبه بالبجع المكسور الجناح في ثلج الفضاء العاصف…؟ 

– دعاها الفنان إلى مشاركته فنجان قهوة لم تمانع، لرغبتها في كشف أغوار الوجع المتمدد حتى الأحداق.. سجل على الورق أمامها مقطع لقصيدة للشاعر خليل حاوي: 

كل ما أعرفه أنى أموت / مضغة تافهة في جوف حوت.

صدمه قولها: إن الفشل في الحب، لا يعنى الموت.

تكلمت كأنها مطر يروي أرضاً متشققة من الظمأ، يحدق في عينيها يستكشف ألقهما للمرة الأولى، وكأن العالم يبدأ خلقه من هاتين العينين.. تشبه المرأة البعيدة التي أشرقت يوماً في ظلام حياته.

الوقت شتاء يلمس الدفء الذي يشع قبالته، والذي امتد بطول قلبه وعرضه في دعة وهدوء، تحدثه عن الرجل والمرأة المغموران بوشاح المسرة وأن الحب مسرة للجسد والنفس، به تشف الروح ويتفتح الجسد.. تعتذر لأن طائرتها ستقلع بعد ساعات لتذهب.. وتبقى على الجدران لوحة وحيدة، لامرأة بعيدة وعلى الطاولة منفضة الصمت، المليئة بأعقاب كلمات لم تكتمل، لامرأة مسافرة في الغياب.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.