قصتان: سحب داكنة – نصف امرأة

قصتان: سحب داكنة – نصف امرأة

اللوحة: الفنانة الكويتية سوزان بشناق

محمد محمود غدية

سحب داكنة

 مع آخر رشفة من فنجان القهوة استكانت كآبته وهدأت، خمسيني خرج في معاش مبكر زمن الخصخصة أو المصمصة، متزوج لم يرزق بالأبناء، رفض الزواج بأخرى حين طالبته أمه لرغبتها في رؤية أبنائه قبل أن تموت، قائلا: ما ذنب زوجتي العقيم، ماذا لو أصابني العقم، هل تتزوج زوجتي بآخر؟ 

وجد عملا في إحدى المؤسسات، أمين للمخازن، أحبه الجميع، الابتسامة لا تفارق وجهه، هضيم الوجه مثلثه، يتمتع بذلك اللون الأسمر الأشبه بطمي النيل، واسع العينين شاردهما، زحف البياض بشعره فأكسبه مسحة من وقار.

ذات يوم تلقى مكالمة تليفونية أسقطته أرضا، ماتت زوجته وانطفأت الشمس التي كانت تنير دربه، مزقته الوحدة ونهشت روحه، في المؤسسة التي يعمل بها أربعينية بها مسحة من الجمال لم يسبق لها الزواج، تعمل في قسم الحسابات، اقترحت عليه أن يتزوجا بعد أن راق لها، تزوجا.

بعد سنة من رحيل زوجته، استكانت روحه وهدأت بعد أن أنجبت له توأم.. هي المصائر التي لا يصنعها أحد، الجميع شارك بالهدايا وملابس التوائم والتي كانت الشمس تشرق من شقائق خدهما، ما أجمل أن تخضر صحاري العمر، لمعت في عينيه إشراقة بعد أن أوشكت على الانتفاء، يعتصر من الزمن الشحيح كل قطرات الفرح التي غادرته.

 في سنواته المجدبة؟ لتذهلنا الحياة بمنطقها غير المتوقع فى أشياء نخاف أن نواجهها أو نتعمق في فهمها.  

نصف امرأة

رقيقة الملامح حلوة لا تخطئها العين، ضل قطار الزواج طريقه إليها، سنوات خمس منذ تخرجها من كلية التربية، هل أصاب الرمد عيون الشباب، أم مازالوا في عراك مع الحياة وفرص العيش؟ 

وافقت على عرض شقيقتها بالعمل كمدرسة خاصة لابنة أحد الأثرياء، بمرتب كبير وسيارة خاصة تنقلها من منزلها وحتى فيلا المليونير.

الزوجة مشغولة طوال الوقت، باجتماعات الروتاري والنادي الاجتماعي الذى يضم علية القوم، للثرثرة وفض أسرار الآخرين، قليلاً ما تلتقى بزوجها المشغول هو الآخر بتفقد مشروعاته المتعددة، تفوقت الابنة بفضل تفانى وعناية المعلمة الدؤوب.

ذات يوم تأخر السائق عن موعد إعادة المعلمة لمنزلها، فقرر الزوج الذي لم يخف إعجابه بها، والذي استشعرته من خلال نظراته لها، والذي تخطى الأربعين بسنوات خمس.  

في السيارة، أسمعها موسيقى هادئة، حدثها عن جمالها ورشاقتها المتقنة، المصنوعة في تمهل وأناة، كأحسن ما يتمهل المثال كفينوس آلهة الجمال.

استعذبت كلامه فشجعته ابتسامتها وذلك الدم الوردي الذي ضخ بخديها، قبلت دعوته للغداء في أحد المطاعم الفاخرة، كان رقيقاً وهو ينفذ بتمهل نحو قلبها الذي لم يعرف الحب من قبل.

تكرر غياب السائق المتعمد، قبلت الزواج منه عرفياً، بعد أن كتب باسمها شقة مفروشة بالأثاث الفاخر بأرقى المناطق السكنية. 

تكتفى بنصف عاطفته، ونصف قلبه ونصف روحه، والنصف الآخر لزوجته أم أولاده، سعادتها لا توصف وهي تخبره بحملها ورغبتها في الأمومة، ليتراجع عن هدوئه وهو يهدد ويتوعد، صارخاً: لابد من إسقاط الجنين..

 وتم إسقاطه…! 

لم تستطع كبح شلالات الدموع التي انهمرت من عينيها وهي لا تعيش الأمومة الكاملة.

بنصف المشاعر ونصف امرأة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.