كيف أنسى؟ 

كيف أنسى؟ 

هيام علي الجاويش

اللوحة: للفنان السوري حمود شنتوت

ماجد يعرف عاتكة مذ كانت صغيرة ولم يعرها بالا.. وعندما تفتحت براعمها أحب أن يكون أول من يقطف هذه البراعم، وعاش معها قصة حب وأخبر ذويه وذويها برغبته في الزواج منها، وقد جنح أكثر من هذا بأن حدد توقيتا للخطبة وآخر للزواج، لكن عندما لاحت له نجمة من بعيد تمنى أن تسقط في حجره، وعمل جاهدا للاقتراب منها، ولم يبلغ عاتكة قراره، سيحافظ عليها مع بعض المشاكل، سيجعلها تغار وتتعصب وتزعل وترضي سيكون على راحته وتكون هي على راحتها، حتى اذا قرر الرحيل جمع كل سيئاتها وواجهها بها مدعيا المظلومية لأنها لا تحبه وتشك به وتسمع الأقاويل من الناس وتصدقهم ولا تصدقه.. أما إذا قرر البقاء جمع كل حسناته وأفردها أمامها مظهراً عشقه وولهه بها، ومعاناته والعذاب الذي يتجرعه لأنها لا تبادله عمق المشاعر، فكان كلما اقترب من تلك النجمة يبهر بنورها الساطع حتى أنه لم يعد يرى عاتكة، ومع كل خطوة بأتجاه نجمته يبتعد خطوات عن عاتكة إلى أن قرر الارتباط بجلنار، حينها نسي عاتكة تماما مع تبرئة نفسه واضعا كل اللوم عليها وعلى تصرفاتها ضاربا بعرض الحائط كل كلامه ووعوده.. لقد أحب عاتكة وأحبته لكن بوجود وردة شهية ندية أخرى لم يستطع منع نفسه ويديه من محاولة الوصول إليها.

في هذا اليوم يعيش سعادة لا توصف ومؤكد أنه لا يشعر بجراح عاتكة، والتي كانت ليلتها شديدة السواد لأنها كانت تراهن على حبه، وحبها وصبرها، وتقول في نفسها أن كل ما تسمعه وتراه غير صحيح ولا بد سيفتقد حبها وحنانها وسيعود مملوءا بالشوق، عندها لن تسامحه إلا بعد أن يعرف حجم الألم الذي تسبب به، وستحاول نزع أشواكها وستنزع أشواكه عنه، بعدها تمرر يدها عليه للتأكد من سلامته ثم تضعه في قلبها كي لا يتأذى منها أو من أخرى.. أما وقد بات الأمر واقعا، ما الذي يمكن قوله وما الذي يمكن فعله؟ في تلك الليلة لم تعرف النوم، منذ الصباح ذهبت إلى قريبة وحكيمة وصديقة، وقالت لها على عجل: هل يحبني وهل أحب تلك الفتاة أم أنها أغوته؟ ابتسمت الحكيمة وقالت اهدئي.. لا بد أنك متعبة ومن الواضح أنك لم تنامي، تحلي بالصبروستدركين بعد حين أن الحياة هكذا، وإنه كلما بالغتِ بشيء انقلب إلى ضده، لكن ثقي تماما أن لا شيء يدوم! أجهشت عاتكة بالبكاء عندما أيقنت بخسارتها وباتت وجها لوجه مع الحقيقة، وقالت: أنا أعرف جلنار جيداً جميلة جداً ومثقفة جدآ ومتعلمة وخلوقة ومؤكد بأنه هو من أوقعها، لكنها ستجد ألفا أفضل منه، فلماذا وافقت عليه؟ قلبي يشتعل نارا..أنا أحبه. قالت لها الحكيمة: وأيضا جلنار أحبته فلماذا ترتبط به إذا كان فيها ما ذكرت من المواصفات؟ ربما هو اختبارها ومحنتها في الحياة. يابنتي الحياة مواقف وتجارب فيها النجاح وفيها الفشل فيها الشهامة والمروءة، وفيها قلة الشرف.

هناك علاقات بقدر ما يكون حلمك كبيرا تكون خيبتك كبيرة، وخط البدايات يرسم خط النهايات بالصعود والهبوط وبالزمن والشغف، هي أيام عشتها وانقضت ولم يكن لك خيار في انقضائها خيارك الأن أن تتمني لهم السعادة وأن تبحثي عن سعادتك، فلو كان يحبك حقا لما اختارها دونك؟ هل تصدقين أن عاقلا يتخلى عن سعادته؟ ربما سعادته معها وسعادتك مع غيره فالقلوب كالأرزاق يابنتي والخير فيما اختاره الله و.. عندما رأت امتعاض عاتكة أردفت قائلة بصوت عالٍ خالٍ من التعاطف: أنت وجلنار احببتماه وهو أحب ما أحببتما، لقد أحب نفسه، وسيبقى محبا لنفسه والدنيا لن ولم تفرغ من الحسناوات ولن يتوقف عندك ولا عندها.. قاطعت عاتكة كلام الحكيمة وقالت: لم آتي إليك لأسمع هذا الكلام، أنا أود أن يعود لي أو أن أعرف أنه مازال يحبني،وربما لسبب ما أجبر على الارتباط بجلنار، وأنت تقولين بأنه سيحب أخريات؟ وخرجت من عندها أكثر تعبأ وخذلانا، ولكن من خلال ما أذاقها ماجد أدركت أن كلام الحكيمة صحيح، فحدثت نفسها: إذا فليذهب للجحيم، هل أتمنى له الموت؟ هل أتمنى له الشقاء؟ نعم ربما أتمنى له اكثر من هذا.. فقط لأني أحببته، وهل من كان مثله يستحق الحب؟ وهل من يحب يستطيع أن يكره؟ اذا لنقل أحبتت نفسي فيه، وما علي إلا أن أتوقف عن حبي له ولأبقي على حبي لنفسي! وهل هذا ممكن؟ حبي لنفسيمرتبط مع حبه، وحبه ذهب ولم يبق إلا خذلانه.

أوووه.. أوووه.. أوووف… أف.. توقفي، يكفي فلسفة أو فذلكة.. نعم فذلكة تعاملي مع الواقع كما هو بعيدا عن النظري والتنظير، لكن لماذا أفكر فيه بعد اليوم؟ لا.. لن أفكر به ثانية وليقف الله بجاني كي أتجاوز محنتي.. لم أعد أثق بأحد وكل الأشياء مغلفة غير حقيقية كاذبة. نحن البشر منافقون بامتياز دجالون. عندما نرى أحدا فقد عينه أو رجله نشفق عليه ونتعاطف معه ونتعامل معه بلين وكأننا نذكره بالنقص الذي فيه، أما من يفقد إحساس الحب من يخذل من تقتل روحه، نتجاهل تعبه وجراحه، ونقول له هذا أفضل لك كاذبون نحن, ساكنون، منافقون نحن متٱمرون حتى على أنفسنا، لا نحب للخير أن يسقط إلا في أيدينا ومن فائضنا نعطي. هكذا نحن نتعاطف لنظهرالوجه الجيد عندنا فقط، وربما تعاطفنا لا يتجاوز الكلمات التي تنطقها شفاهنا وربما لنذكر أنفسنا أننا في وضع أفضل من وضعه، وإذا ابتعدنا نسينا وربما شمتنا.. هيي هيي.. أنت أنت.. ألم تقرري بأنك ستتوقفين عن التفكيربه؟ تمام انظري.. هذا البائع يقدم حلوى لذيذة.. أيضا انظري هذه الشرائط والحلي تتناسب مع تسريحة شعرك، هيا انطلقي وانظري للامام فالحياة لا تعيش في الماضي.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.