خفرع مات

خفرع مات

اللوحة: الفنان العراقي سنان حسين

تسلل الخبر لأذني فسرت بجسدي قشعريرة كتلك التي يحسّها من يعشق للمرة الأولى، نفس اللهفة، لمعة العين أو من يحتسي قهوته بعد غياب طويل، غمرتني حالة استرخاء سرعان ما انتشرت كتيار كهربي إلى كل أعضاء جسدي.

هكذا شعوري عندما أسرّ لي أحدهم بعدما قطع عليّ طريق عودتي، بأن همس بنبرة خافتة تحمل قدرًا لا بأس به من الخوف: أبشر، قُتل الرجل، مات خفرع صاحب الهرم الضئيل.

وقع العبارة على أذني كان غريبًا، إذ لم أعتد سماع مثل هذه الأخبار، نقرأها في المواقع الأجنبية، نشاهدها في المسلسلات وأفلام الخيال العلمي، غير أني لم أمر بمثلها هنا، لذلك التفتُ إلى محدّثي، قلت بلهجة لم تخل من ريبة: من قُتل؟

-خفرع قُتل، لقد انتهى ومضى إلى غير رجعة.. أنت غير مصدّق؟

قلت وقد غمرتني راحة كبيرة لم أستطع اخفاءها: لا أستبعد أي شيء الآن، فهو قد صنع تابوته منذ سنوات بعيدة، اختار بعناية بالغة طريقة موته.

سألني الرجل بشك مضاعف: توقع أم علم يقيني لديك؟

قلت: لا أحد هنا يعلم أي شيء، الكل يتكهّن، الرجم بالغيب صناعة يجيدها الجميع، غير أني أشفقت على الفقيد في وقت ما – ولست أنكر ذلك – حين رأيته يجدّف بنشاط كبير بقاربه في بحر الهلاك، يظن بغباء أنه يسير خلف رع في مركبته في رحلته اليومية الأبدية. على العموم، لا يعنينا كيف مات، يكفي أن أدرك يقينًا بزواله من الوجود، ذلك هو الحدث الأهم.

بدأ الخبر يزحف حثيثًا إلى كافة المواقع الالكترونية، النشرات الإخبارية. عُقدت حلقات نقاشية في كل ناصية وعلى رأس كل شارع وزقاق، توارى في أودية الخوف كثيرون، قفز لنهر الطريق أشخاص لم نرهم منذ بعيد، وقفت والبشير نستطلع الأمر ونصغي للهمس والشجار الدائرين في كل متر مربع من المدينة.

 أخبرني زميل، صدئت حنجرته من فرط صمته الطويل: لعل أزمة خفرع الحقيقية أنه حاول أن يتشبّه ب الملك “خوفو” صاحب الهرم العظيم، أعجوبة الأعاجيب كما قالوا عنه. حتى أن القتيل صنع لنفسه هرمًا يسجّل على جدرانه أفعاله.

قلت وإن لم أخفِ اعجابي برؤيته: بالطبع، من يجاور الهرم ينبغي أن يشعر بضآلته.. ثم لم أختم عبارتي إلّا وزغاريد النسوة تسد عين الشمس، تنهمر قطع الحلوى بكل أنواعها على رؤوس المارة، بينما اصطف الرجال على جانبيّ الشارع، يتلقون العزاء في الميت والفرحة تقفز من أعينهم.

الكل يردد سرًا وعلانية: مات خفرع، لله الحمد 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.