اللوحة: الفنان الألماني ماكس ليبرمان
ترجمة صالح الرزوق

رأيت أمي في البيت آخر مرة يوم الأحد من شهر تموز. سافرت بالقطار. انتظرت في محطة موتفيل لفترة طويلة. كان الجو حارا وهادئا داخل غرفة الانتظار وخارجها. نظرت من النافذة المفتوحة ورأيت الرصيف خاليا. وفي الطرف الآخر من حاجز القضبان الحديدية، لامس العشب الطويل الأغصان المنخفضة من أشجار التفاح. وحينها أمكنني أن أشعر أنني أقترب فعلا من مدينة c، وسوف ألتقي بأمي. تابع القطار إلى c بسرعة منخفضة.
بعد أن غادرت المحطة توقعت أنني تعرفت على عدة وجوه، لكن لم أتذكر الأسماء. ربما لا أعرف أسماءهم. كان الطقس أقل حرارة، وشكرا للرياح. الطقس عاصف دائما في مدينة c. لكن الجميع وأمي منهم، يعتقدون أن c أبرد من سواها، حتى لو كان سواها لا يبعد أكثر من خمس كيلو مترات فقط.
لم أستقل سيارة الأجرة الواقفة أمام فندق المحطة، كما أفعل في أي مكان آخر. حالما أكون في مدينة c، أعود إلى أساليبي القديمة: وأرى أن سيارة الأجرة للقداس والأعراس والدفن. ولا ضرورة لإنفاق النقود بلا طائل. توجهت إلى رو كارنو في مركز المدينة. وفي أول متجر حلويات اشتريت الكيك وكعك كلير وفطيرة التفاح – وهو النوع المفضل لديها وتحب أن أحضره معي إلى البيت بعد صلاة منتصف اليوم. اشتريت بعض زهور غلاديولا أيضا، لأنها تعيش طويلا. ولم أفكر بشيء حتى وصلت إلى مجمع المساكن الذي تعيش فيه، وأعددت نفسي للقائها مجددا فهي بانتظاري.
قرعت على الباب الضيق للأستوديو الكائن في الطابق الأرضي والذي تقطن فيه. ردت: “نعم. تفضلي”.
“كان عليك إقفال الباب”.
“كنت أعلم أنه أنت. ولا أتوقع أن يأتي غيرك”.
كانت بلا مريول، وتضع أحمر الشفاه، وتضحك، وهي واقفة قرب الطاولة. وضعت يدها على كتفي، ورفعت وجهها قليلا لأجل قبلة. وفي نفس الوقت كانت تطلق الأسئلة لتستفسر عن رحلتي، والأولاد، والكلب. ولكنها لم ترد على اسئلتي. ودائما تخاف من أن تكون مملة إذا تكلمت عن نفسها. ورددت لاحقا كالعادة: “أنا على ما يرام هنا. على أحسن ما يرام”. وأضافت “لا أشكو من أي علة”. وكان التلفزيون يعمل بلا صوت، ولا يوجد على الشاشة غير البث التجريبي.
أخذت الغلاديولا مرغمة قليلا، وشكرتني بنغمة غير معتادة. نسيت أن أقول: بنظرها يحمل تقديم الزهور الطبيعية معنى التودد، شيء رسمي جدا. وهو ما يلحق الضرر بشعورها. وكأن الأمر نوع من التفكير بشخص غريب، وليس من العائلة. أما الكيك فيسرها، وكانت قد ابتاعت بعضه وهي في طريق العودة من الصلاة.
جلسنا متقابلتين حول الطاولة التي تشغل كل شقتها مع بوفيه. وتذكرت ماذا قالت في أول زيارة لي بعد أن أتت إلى هذا المكان: “اخترت أن تكون كبيرة – لتتسع على الأقل لعشر أشخاص”. ولاحظت أنها خلال ست سنوات لم تحرص، ولا أي مرة، على تغطيتها بغطاء يحميها من الأضرار.
ضاقت أنفاسها كأنها لا تعلم من أي فكرة تبدأ بالكلام. كان الجو معتما في الأستوديو، وتأتي منه رائحة خفيفة، مما يعني أنها لا تهوّيها كما يجب. حينما كنت صغيرة، كانت تصحبني أيام الأحد بزيارة لسيدات كبيرات. وحين تغادر بيوتهم تشم الهواء وتقول: “دائما الرائحة ثقيلة في بيوت العجائز – كأنهن لا تفتحن النوافذ”. وبسبب هذا الكلام المعتاد، لم أتوقع أن تسقط في نفس المحظور. كلمتني عن طقس الربيع في c وعن من مات بعد آخر زيارة لي، واكتأبت لأنني لم أتذكرهن، واعتقدت أنني أتعمد ذلك وقالت – “كأنك لا تريدي أن تتذكري”. قدمت لي التفاصيل، لتساعدني على معرفة عمن تتكلم: المرأة التي تعيش هناك، التي أرافق ابنتها إلى المدرسة، وهكذا. جهزنا الطاولة قبل ربع ساعة من بلوغ الثانية عشرة. في المرة السابقة انتظرت حتى الثانية عشرة والنصف. كانت تستعجل كل شيء. ثم قالت إن طقس الأيام الجميلة أوشك على أن يولي.
بحثت عن فوطة ووجدت رزمة من المجلات الرومنسية وراء البوفيه. لم أعلّق، ولكنها توقعت أنني رأيتها فقالت: “تلك المجلات القليلة – هبة من بوليت، وإلا ما كانت هنا. هذه ثقافتها، حكايات تافهة عن سخافات”. ولكن لاحظت أنها تخجل أن أنتقد ذوقها في القراءة. وتقريبا أوشكت أن أقول لا يهمني إن كانت تفضل مجلة “نحن الاثنين” على “مارلو” الذي استعارته مؤخرا من المكتبة العامة. ولاحظت أنه لن يسعدها أن أعتقد أنها غير جاهزة لقراءة المؤلفات التي أحب قراءتها.
مرت الوجبة بصمت. عيناها على صحنها، وحركاتها الخفيفة البطيئة تدل على إنسانة اعتادت أن تأكل وحدها. رفضت أن أعتني بالأطباق. قالت: “بعد أن ترحلي من ينظفها لي؟”.
“اطلبي الطعام الجاهز”.
جلست منتصبة في كرسيها، ذراعاها معقودتان على صدرها. لم أشاهدها تحرك جسمها بطريقة طبيعية ومريحة. فهي لا تتخلل شعرها بأصابعها الطرية، ولا تدس يدها تحت بلوزتها من جهة العنق حينما تغرق بالقراءة. وحركاتها الوحيدة التي اعتادت عليها في عزلتها تعبر عن التعب فقط: مد ذراعيها فوق رأسها، تهالكها على الكرسي، مد ساقيها أمامها. صلابة وجهها أقل من السابق، وكذلك التوتر الذي تحتاج له لتشق طريقها في الحياة. وكانت عيناها الرماديتان تتوقعان مني الأسوأ، ولكن الآن انسكبتا علي بنعومة إنسانة جائعة. كانت تحصي الأيام وتفكر بيوم زيارتي، وها نحن معا. كلتانا، وقد مر نصف الوقت المخصص للزيارة. كان جو زيارتي مرحا ولطيفا. أما الجو الثاني، العنيف الذي تحكّم بنا وأنا بعمر خمسة عشر عاما، لم يعد له وجود. وذهب معه هذا الكلام.. “بقرة. ابنة كلبة. قتلت نفسي لأجلها”. “سأرحل عن هذا المكان اللعين”. “ستحلي في السجن أولا، أيتها الغبية الطائشة”.
تعبت من التفكير بموضوع يصلح للكلام. ولذلك لم أستعد للمغادرة بسرعة، كي لا أتركها بمفردها، وحيدة من دوني، والحنين لحياة مشتركة يغلب عليها، أن تكون برفقة ابنتها، وحتى النهاية.
قالت: “أحضرت لي بوليت بعض العنب الحامض، لن تصدقي كم هو طيب. وهذا شيء مفهوم. فهو موسمه. ذكريني لأعطيك بعضه قبل أن تغادري”.
بوليت – جارتها السابقة وهي بعمري – تأتي لتزورها كل أسبوع. فهي لم ترحل عن مدينة c.
سمعت صوت سيارات بعيدة تمر على طريق الشاحنات، واندلع صوت مذياع من الشقة المجاورة، وربما كانت تذيع برنامج “السياحة في فرنسا”.
“الجو هادئ”.
“دائما هادئ هنا. وأيام الأحد هي الأهدأ”.
نصحتني عدة مرات أن أحصل على قسط من الراحة أثناء إجازتي. والجملة التي كانت ترهبني أكثر من غيرها كلما اشتكيت من الحيرة والفراغ هي: “خذي قسطا من الراحة”. مجددا. غلبني الاضطراب. ولكن كلماتها الآن ليست قوية، ولا تقيدني. ولكنها أيقظت ذاكرتي، كما تفعل أخبار الرياضة يوم الأحد أو فطيرة التفاح. كنت أشعر بالضجر من الصيف في c. القراءة من الصباح حتى الليل. أفلام يوم الأحد سواء المهذبة أو المخصصة للبالغين فقط، والتي أتابعها في صالة “المونديال” حين تكون ثلاثة أرباعها بمقاعد فارغة. وكانت تعتقد أنني أخرج في “نزهة “جميلة” مع ابن عمي الأكبر. ثم ألعاب الأطفال في شارع التجارة المحلية. وصالة الرقص العامة والتي لم أجرؤ على اقتحامها.
في منتصف ما بعد الظهيرة، برزت قطة على إفريز نافذة المطبخ. قفزت من مقعدها التقليدي لتفتح لها، فهي قطة “متبناة” تطعمها، وتنام على سريرها في النهار. ورأيت أنها في أسعد أوقاتها منذ وصولي. شغلتنا القطة لفترة طويلة – مراقبتها، التداول على حملها. وكلمتني عن كل مشاكلها. “الخنزيرة الصغيرة” تتمسك بالستائر، بمخالبها ورسغيها المقلمين بخطين أحمرين. وكما اعتادت أن تقول “كل كائن حي له حصة من الجمال”. ويبدو أنها نسيت أنني أوشكت على الرحيل. ففي آخر دقيقة، أخرجت استمارة يجب أن تملأها، وتقدمها للضمان الاجتماعي. قلت: “ليس لدي وقت. هاتيها وسأملأها وأرسلها”. “لن تستغرق فترة طويلة. والمحطة على مبعدة خمس دقائق” “ولكن قد يفوتني القطار”. “لم تفوتيه أبدا. ويوجد قطار بعده يمكن أن تستقليه”. ولاحظت أنها ستنفجر بالدموع. وختمت كلامها بعبارة معتادة “هذا الفراق يزعجني جدا”.
بعد قبلة منها عند الباب، تعبت من مواصلة الكلام. آخر صورة لها في الذهن: على عتبة الباب، ذراعان ممتلئان بحيطان بظلها الثقيل وهي بثوب أصفر – أجمل ما لديها، ضيق فوق الصدر والبطن – مع ابتسامة ثابتة وعريضة. ومجددا شعرت أنني أرحل مضطرة وبأسلوب جبان.
تبعت أقصر طريق إلى القطار، الطريق الذي يمر من محطة شيل. هناك في الأيام القديمة، وأنا عائدة من السينما أتوقف لأجهز نفسي وأتجنب نظراتها الشكاكة والمستفسرة. أرتب قوامي وأزيل بقايا أحمر الشفاه. كيف كانت صورتي في ذهن الناس؟.
على متن القطار، لم أمنع نفسي عن تخيلها، تغسل الأطباق بصمت عزلتها، وتلغي كل آثاري. راقبت c وهي تختفي – أبنية البريد، بيوت عمال القطارات قرب القضبان.
بعد شهر عدت لزيارة أمي. كانت قد عانت من ضربة شمس بعد الصلاة ونقلت إلى مستشفى c. بدّلت هواء شقتها. جمعت الأعمال الورقية الموزعة فوق البوفيه. وتخلصت من كل شيء فاسد كان في ثلاجتها. ورأيت في علبة الخضار في الثلاجة، وفي كيس بلاستيكي معقود ومربوط من أعلى، عنب الثعلب الحامض الذي نسيته في الزيارة السابقة، كان كومة من سائل عصارة بنية.
منشورة في النيويوركير / عدد 14 تشرين الثاني 2022.

آني آرنو Annie Ernaux كاتبة فرنسية مواليد ١٩٤٠. حازت على جائزة نوبل عام 2022.