ملاحظات أولية عن شعرية ناصر رباح

ملاحظات أولية عن شعرية ناصر رباح

اللوحة: الفنان الفلسطيني عماد أبو اشتية

صالح الرزوق

بعد قراءة العديد من قصائد الفلسطيني ناصر رباح، وهو مهندس زراعي يعمل في غزة، أمكنني تسجيل عدة ملاحظات.

  • أولا أنه ينأى بنفسه عن التقاليد المرعية في الشعر العربي من كل جوانبه. العمودي والتفعيلة.
  • ثانيا أنه اختار متعمدا القصيدة المستمرة وليس قصيدة النثر التي شهدت نهضتها في السبعينات على يد شباب معروفين بانتمائهم اليساري مثل نزيه أبو عفش ومنذر المصري ورياض صالح الحسين (وهم كوكبة من فرسان شعراء النصف الثاني من سبعينات سوريا). وكانت لهم علاقة عضوية بحركة تحرير فلسطين وحركات التحرر في العالم العربي. وربما النبرة الحزينة التي ورثها رباح عنهم تأتت له من معاناتهم الثورية وليس من معاناته المباشرة مع الواقع. هذا إذا وضعنا باعتبارنا أنه كان يتلقى علومه في مصر. وليس في القطاع. ومن المؤكد أن مصر هي توأم لأحرار سوريا يومذاك. ولا أحد يستطيع أن يعرف المشهد السوري إن لم يعلم دقائق وتفاصيل أدبيات القعيد والغيطاني وأصلان وبقية رموز جيل الرفض والمقاومة. ولا توجد ضرورة للتذكير أن بيروت كانت حاضنة إشكالية وجماعية لكل أفراد هذا الجيل. وهناك تشكل أهم مثلث تحرري جمع مع عرب سوريا ومصر شباب فلسطين ولبنان والعراق. ويمكن القول إنه كان الفرن والأتون الذي انتهى بخروج المقاومة إلى تونس.
  • ثالثا أخذ ناصر رباح من هذا الجو نغمة الرعب والإصرار، وروح التحدي المواربة. فقد غلف شعره حزن رقيق يدعمه إصرار ونفور من وحشية المحتل. ولكنه لم يأخذ عنهم البعد الاجتماعي ولا السياسي. وأستطيع أن أؤكد أنه توقف عند العتبة الفنية والهم الشخصي. فشعره يباشر من قصيدته ومن بيته ومدينته. ولا توجد تعويمات شمولية كما في أدب رياض صالح الحسين الذي لا تخلو له قصيدة من البكاء على لوركا وبنات بيروت الجميلات. وكذلك بنات شرق أوروبا بما عرف عنهن من رغبة بالتحرر وشوق للمستقبل. وفي أي قراءة ولو عاجلة لأدب المقاومة تلاحظ تداخل الحبيبة مع الأرض والسلاح. وفي الذهن نورما يحيى يخلف، وريتا محمود درويش. وما يلفت الاهتمام أيضا أن المرأة في أدب المقاومة واحد من ثلاثة: شريك أو قلب أو خيال – بمعنى حلم يقظة. ولكن البارودة هي العضو السادس لدى النساء المقاتلات والفدائي. أو أنها إضافة من الإيديولوجيا والحزب للأطراف الأربع – يدان وقدمان، ولجهاز الحب والتكاثر. ولا يوجد ما يعيب في ذلك. فأجمل أناشيد نيرودا كانت في ماتيلدا، وأجمل أغاني أراغون كانت عن إلزا. ولا يخفى على أحد كيف تمكن شعر المقاومة من التأسيس لصور نمطية للبنات الجميلات المقاتلات. وحلت هذه الصور في أذهان أبناء جيل السبعينات والثمانينات محل نجمات الشاشة الفضية العربيات (سعاد حسني مثلا) والأوربيات (مثل جينا لولو بريجيدا). وتحول جيل السبعينات من عصر المراهقة والحب المجاني إلى ما أسميه مع مطاع صفدي “جيل القدر”. وأصبح الغذاء الروحي للشباب هو السياسة وتحرير فلسطين والعودة إلى القدس، والغذاء المادي صور رفيقة الدرب الفدائية والمقاتلة. ولكن يوازي الفراغ العاطفي العجيب في شعرية رباح حب للأشياء، لدرجة التجسيد والأنسنة. فالبيت يحب ويعانق ويبكي والطريق يكلمه، وهكذا. 
  • رابعا وأخيرا. يوجد جنوح سريالي في متابعته لمائدة الموت، والعزاء الناقص المترتب عليها بسبب نقصان الواقع العربي. ويبقى لديه تحت رماد أحزانه حلم مجروح وقطرات من دم يحاول أن يتجاهلها. وبوجيز العبارة تعكس شعرية ناصر رباح عناصر من شعراء لم يتعرف عليهم ولكن تسللوا إليه من مصادر عربية ومن المشابهة بالظروف، وفي ذهني طليعة الروس الانقلابيين المخضرمين، والذين تعايشوا مع فساد القياصرة، ومع فظاعات الثورة البلشفية وهي في بداياتها، ومنهم ماياكوفسكي، وأخماتوفا، وماندلشتام وآخرين… 

*هذه الملاحظات تأتي بمناسبة ترجمة مختارات من شعر ناصر رباح إلى الإنكليزية لنشرها في PI online. وهي منصة مرافقة لمجلة PI التي تصدرها عدة جمعيات. (صالح الرزوق/ حلب)


ناصر رباح

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.