من الشاطئ البعيد

من الشاطئ البعيد

اللوحة: الفنان الأميركي ماكس جينسبورج

عندما أتخيل لوحة للمصريين اليوم، أجدها ترسم فِرَقا ثنائية متقابلة، تنظر كل فرقة إلى الأخرى من الشاطئ البعيد وترفض الانتقال للشاطئ الآخر، فريق يشعر بالبرد، والآخر يشعر بالحر، وكل فريق يصف مشاعره الباردة أو الحارة، منعزلا شعوريا عن الآخر.

يروي يحيى حقي في كتابه (خليها على الله)، أنه بعد تصريح فبراير عام 1922 أنَّ مصر دولة مستقلة، حدث تمصير للوظائف الحكومية، ورحل الموظفون الأجانب بعد تعويضهم ماليا، وكان يُسمح للموظف الأجنبي الحصول على عُطلة ثلاثة أشهر ونصف خارج مصر مدفوعة الراتب، وهذا مُبَرّرٌ لأنَّه ضرورة للموظف الأجنبي، ولكن حين صار الموظف مصريا كان المتوقع إلغاء هذا القانون، ولكنه احتفظ به لنفسه، فكان الموظف الكبير في الراتب والدرجة يسافر لأوروبا سائحا في حين يتلقى راتبه، بينما يُعاقب الموظف الصغير الذي لا يستطيع السفر للخارج، بخصم راتبه حين يغيب يوما لعذر أو يتأخر دقائق. 

في اللوحة الأولى، فريق صغار الموظفين (الحرافيش) على ضفة شاطئهم، ينظرون بحسد ونِقْمة إلى فريق كبار الموظفين (الباشوات) المُنَعَّمين في الشاطئ الآخر، ولا يشعر أحد بأحد.

في الستينيات في عصر “عبد الناصر”، أصدرت الدولة قانونا بتجميد إيجارات المساكن، وبمرور الأيام وزيادة الأسعار، أصبحت قيمة الإيجار تافهة جدا، فلجأ الملاك لتعويض الخسارة، إلى أخذ مبلغ يُقدر بعدة آلاف من الجنيهات باعتباره “خلو رجل” من المستأجر الجديد، وكان المستأجر يدفعه عن طيب خاطر.

في كتابه “مكتوب على الجبين”، يحكي “جلال أمين” أنَّ أخاه قام بتأجير شقة جميلة وبإيجار زهيد جدا في شارع مهم بالزمالك، قامت الحكومة بإصدار قانون يمنع الخلو، وواجه الملاك معاملة قاسية وإهانة تصل للسجن حين يثبت تلقيهم خلوا، زاره مالك العمارة وأعطاه الخلو الذي دفعه، فرفض وقال: أنا دفعته عن طيب خاطر، فقال له المالك: أنت الوحيد من بين سكان العمارة الذي رفض استرداد المبلغ!، ولنتخيل بِناية بها ثلاثون ساكن ويقبل كلهم استرداد المبلغ في مقابل ساكن واحد رفض لأنَّ ضميره حي.

ومازالت المشكلة قائمة حتى اليوم، شقة إيجارها خمسة جنيهات، وبجوارها شقق أخرى بنفس المساحة تؤجر بخمسة آلاف جنيه، وحين نستعين بالفقه بتنوع مذاهبه نجده يؤيد الطرفين، الساكن والمالك، ولهذا نجد الساكن متدينا ويواظب على الصلاة بالمسجد ولا يشعر بأنه يحمل ظلما في حق المالك الذي يصلي بجواره ويدعو عليه.

ومرة ثانية يتكرر في اللوحة المصرية نفس المشهد، فريق الأقلية المالكة للشقق على شاطئ ينظر بحِنق وقَهْر إلى فريق الأغلبية المؤجِّرة القريرة العين والمرتاحة الضمير، ولا يشعر أحد بأحد.

نُشر خبر على موقع تواصل خاص بالمهندسين، يعلن احتمال رفع ضريبة العاملين بالخارج من 55 جنيه إلى 1000 جنيه عن كل سنة، وانهمرت التعليقات المتعارضة والمتناكدة والتي تجمع الفريقين على شاطئين:

الأول: معارض.. وهم الذين سافروا إلى الخارج.

الثاني: مؤيد.. وهم الذين لم يسافروا إلى الخارج.

ويندر أن ترى معارضا أو مؤيدا، يخرج عن السرب ويتحدث بمنطق، فالأول يَمَسه القرار، والثاني لا يمسه القرار، ولكنه يجلس في الشاطئ الآخر ويرى أن المسافر ثَري ولديه أموال.

المدهش أنَّ معاش النقابة كان قليلا وثابتا منذ سنوات طويلة، ولم يُلَمِّح القرار بأن هذه الضريبة سوف تؤدي لزيادة المعاشات، والمؤيدون يوقنون بأنَّ هذه الأموال لن تعطيهم خدمات ولن يصل لهم منها عائد.

ليس المقصود هنا موضوع الزيادة بل الموقف من القرار الذي أظهر انقسامهم طبقيا أو نفسيا بدون منطق، ودفعهم لمناقشة قرار الضريبة وليس مصيرها ولا استفادتهم منها.

ومرة ثالثة يتكرر في اللوحة المصرية نفس المشهد، وينقسم الناس على شاطئين، العامل بالخارج الذي انزعج من خبر الزيادة الحادة في الضريبة، والآخر الذي لم يغادر بلده وينظر إليه بحسد.

في اللوحات الثلاثة، نضع أيدينا على مرض مِصري عارض وخطير، الأنا الفردية التي تنظر من شاطئها، والتي تهدد السلم المجتمعي وتفسد العلاقات، هذه الأنا تحتاج دراسة من علماء الاجتماع لمعرفة أسبابها ووسائل خلق مناخ ينشر التعاون والسلم.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.