اللوحة: الفنان السوري عادل داود كردي
محمد محمود غدية

أحببت كتابات المؤلف، الذي ما أن أفرغ من قراءته، حتى أعود إليه مرة أخرى، الألفاظ عنده ذات دلالات بلاغية راقية، يوظف كل أدواته الإبداعية في خدمة الأدب، فيرتفع بالقارئ إلي أجواء شاعرية، ومناطق جديدة لم يرتدها من قبل، الصحافة والتليفزيون والميديا تتبعه في الندوات ومعارض الكتب، له العديد من المؤلفات التي تعاد طبعاتها، لا يسعى للشهرة، لكنها من تسعى إليه، بعد أن حطم التابوهات والأصنام، وأسقط الأسوار، بينما هناك آخرين ألفوا القيود والركوع والسجود، فقبعوا في أماكنهم ضائعون حتى الآن، يلصقون على عواطفهم لغة صلبة كالسيراميك، لأنهم لم يحاولوا القفز من قطار التخلف، وقد فاتهم، ركب التطور.
فجأة نشرت الصحف، شهادة المؤلف على العصر، والتي كانت بمثابة وصيته، سألوه عن شيخوخته؟
فأجاب: الشيخوخة ليست في أن يكبر المرء في السن، وإنما في فقد شهيته للحياة!
المؤلف لا يموت، تظل مؤلفاته تثري الحياة الأدبية، وتعمل على تربية الشعور.. اختفى الكاتب، ترى هل قرر الانسحاب من الحياة الأدبية؟ الصحيفة رفضت الإفصاح، مازالت مؤلفاته تثري الحياة الأدبية، وتعمل على تربية الشعور وإعمال العقل، والنزوع نحو القيم الرفيعة، ترى هل تكاثف عليه الهم واحتواه، وألف العيش معه، الكارثة في فقد شهيته للحياة، وهو الذي كان يقول: لا ينبغي البكاء على من مات، وإنما على من يولد، والحياة ليست سوى موت مؤجل، تبنى الأصدقاء رحلة البحث عن الكاتب دون جدوى، بعضهم قال: كاتبة مغمورة انتقد روايتها التي لا ترقى لمستوى الكتابة، قررت الثأر لنفسها، بدأت بتحطيم حصونه، ودفعه إلى محراب الهوى والغواية، واحتوته وغابا، قول آخر: أنه في مشفى نفسي خارج البلاد، بعد أن تخطته كبرى الجوائز، وذهبت لمن هو دونه.
كل السيناريوهات قابلة للدهشة، أضحى اختفاء المؤلف، مثل لوحة سريالية من إبداعات الفنان سلفادور دالي، حتى الأخيرة التي تقول: تعثر لفظ فوق لسانه ومات.
حفل توقيع
صوت المطر القوي يدوي كقصف الرعد، علت وجهي ملامح الخوف والفزع، أسير مهرولا بطول معرض الكتاب وقد اشتد بي الغضب، لا أدري لماذا يختار منظمو المعرض إقامته في فصل الشتاء، الذي فيه تتلف الكتب وصحة الرواد وهذا الطقس البارد؟
بين الرواد كتاب أبدعوا وأنتجوا أعمالا عظيمة، وأعمالا متواضعة، بعدها لا يتبقى أمامهم سوى الفراغ وخيبة الأمل، جميعنا كتاب وقراء، نحاول التشبث والتعلق بالحياة والتداوي بالكتابة، مازال صوت المطر يهز سقف دار النشر التي أحتمي تحتها.
كثيرا ما أتشكك في موهبتي، وأنا صاحب المجموعات الست القصصية، في مواجهتي طاولة صغيرة خلفها فتاة في العقد الثالث رقيقة الملامح، من نحافتها تكاد لا تبين، تبتسم في بلاهة لكل من يمرون أمامها ولا يلتفتون إليها، بجوارها لوحة كبيرة تحمل صورتها، والتي بذل فيها المصور جهدا رائعا، لتبدوا بهذا الشكل الجميل، وإعلان عن حفل توقيع روايتها الأولى، عدد كثير من نسخ روايتها متراصة على الطاولة، لم تحظى بالانتباه.
كثيرا ما نرى أسماء بعض الكتاب يصبحون الشغل الشاغل لمدة لا تدوم أكثر من أسبوع ثم تختفي بين عشية وضحاها، المؤلفة تحتسي فنجان القهوة دون تلذذ، وتراقب في بلاهة الرواد الذين يحملون الكتب التي ليس بينها روايتها.
لا أدري إلا ويدي تقلب في روايتها التي حملت عنوانا صادما، الرصيف الموازي للحزن، اتسعت ابتسامتها وأنا أقرأ مقدمة الرواية شديدة الوجع والرمادية، والتي قرأتها في امتعاض وجهي.
اتسعت ابتسامتها حين ناديت البائع وأعطيته ثمن الرواية، سألتني المؤلفة عن اسمي للتوقيع.
قلت: أنت كاتبة واعدة، فقط قصي أظافرك الطويلة، لأنه لا يلائمك نبش الجراح.. اكتبي في الإهداء إلى من أمسكت به الرواية، رغم سوء الطقس والمطر.