الليلة الأولى 

الليلة الأولى 

هيام علي الجاويش

اللوحة: الفنان النيجيري جون أوجبيتا 

أغلق محمد الباب وراء صديقيه بعد أن غمز لهما بعينيه وبحركة من يده بأن هيا اذهبا، ووضع وراء الباب قطعة من البلوك وعززها بكرسي وطاولة، ودخل إلى المطبخ ليعد شيئا من الطعام وآخر من الشراب بينما تتهيأ العروس لليلتها الأولى. 

أزاح ستار النافذة قليلا، والتي لا يدل على أنها نافذة سوى وجود هذا المربع المفتوح في منتصف الجدار. ورأى في هذا الحي الذي يسكن في أحد منازله بأن المنازل التي تأتي منها الأنوار تزداد يوما بعد يوم وخمن أن القاطنين لابد مهجرين من أماكن إقامتهم مثله. أعاد الستار إلى ما كان عليه، وتفقد الستائر الأخرى للشرفات والنوافذ التي كانت مثل نافذة المطبخ بالتكوين مع اختلاف أنواعها، فمن هذه الستائر كان قماش عادي ومنها كان بطانية وأخرى كان حصيرا، وبعد أن تفقد محفظة النقود والذهب التي وجدها في إحدى الأماكن المخفية والتي لم يتسنَلأصحاب البيت أخذها ولم يتسن للصوص مصادفة العثور عليها عندما أخذوا من البيت اهم المقتنيات وخلعوا النوافذ والأبواب وكذلك الأسلاك الكهربائية والمقابس. 

عاد إلى المطبخ ليحمل الصينية ويدخل بها على العروس فهي لا بد أن تكون قد تهيأت، وما إن دخل حتى رآها على حال لم يكن يتوقعه، وجدها مسجاة على الأرض، ورائحة السم تعبق المكان بدل رائحة العطر التي كان ينتظرها.. أفلت الصينية من يده وحاول أن يجلسها وأن يكلمها ليفهم ما حدث، فهي تعرف أن له بيتا سيذهب معها إليه عندما يستطيعان دخول حارته والخروج من هذه الحارة ولديه مال غير المال الذي وجده يستطيع ترميم هذا البيت إلى أفضل ما كان عليه، إنما أسرع بالزواج بسببها هي، فصاحبة دار الأجرة قد طلبت منها ترك الغرفة التي كانت تقطنها وهي ليس لها أحد في هذه البلدة، ورغم هذا كانت تتمنع بالقبول به لسبب لا يعرفه فكان يقول لها لكل منا ظرف وماضي أنا وحيد وأنت كذلك ولا أريد أن أقول لك عني شيئا ولا أريد أن تقولي عنك شيئا دعينا نكمل الحياة من هذه النقطة بدون أية ذاكرة، وبعدها قبلت ووافقت على السكن في هذا البيت أيضا لسبب لا يعرفه، فما عليه أن يعرفه الآن هو لماذا تبدلت وتناولت سما في هذه الليلة بالذات والتي كان يحلم بأن يقضيها معها لطلوع الفجر؟ 

لم يطل بحثه أو انتظاره حتى وجد ورقة مكتوب بها: آسفة زوجي العزيز، لم أستطع الاستمرار في الكذب أكثر من ذلك، فأنا أحمل في أحشائي جنينا لا أريد له ولا لي ولا لك مزيداً من الشقاء. اعتصر الورقة بيده وقذفها، نظر إليها بحنق وركلها بقدمه ونهرها قائلاً: من هو يا أنعام؟ عندها شعرت بأنه لا يعبأ بنفسه أو بها بالقدر الذي يعبأ بغريمه، نظرت إليه بعينين تستجديان الموت ثم أغلقتهما على (خالد)

***

كانت أنعام تتابع دروسها في الجامعة عندما تلقت رسالة من اختها تقول فيها أنهم سيغادرون البيت خلال أيام وبأنه عليها أن تحضر مباشرة إلى البيت حتى لا يفقدون أثر بعضهم البعض. اعتذرت من المشرف وذهبت عند صاحبة الدار حيث تقطن في إحدى غرف الأجرة، أخذت حقيبة ملابسها ومن ثم توجهت إلى محطة الانطلاق تقصد مدينتها.. انتظرت إلى المساء، لكن لم تجد ولا حافلة فقفلت عائدة إلى الدار. حاولت الاتصال بأهلها لكن كانت كل الخطوط غير متاحة.. عند الصباح ذهبت إلى محطة الانطلاق ووجدت حافلة متوجه إلى مدينتها على وشك الانطلاق فركبت بها، وعند وصولها إلى المدينة، قصدت اتجاه حارتها، ووجدت كل شيء مقلوبا رأسا على عقب توجست كثيراً ربطت على قلبها، وفكرت ما هي إلا بضع دقائق وتصل إلى البيت وسيزول كل خوفها واضطرابها.

لكن منذ دخولها في أول الشارع رأت أناسا غرباء أشكالهم ولباسهم أيضا غريب، كانوا على شكل مجموعات متوزعين على المفارق، فمرت من خلالهم ولم يعترضها أحد، ربما كانت لغزا محيرا أو ظنوا إنها منهم تقوم بمهمة ما، وما أن وصلت إلى باب البيت المفتوح حتى خالجها شعور بأنها أصبحت في قبضة الإرهابيين. فأين المفر؟ لكن بالرغم من كل هذا فإن بيتها هو المكان الأكثر أماناً من أي مكان آخر يمكن أن تذهب إليه، ثم إن أهلها يعرفون بأنها قادمة ومن المستحيل أن يغادروا البيت قبل أن تصل.

ولجت من الباب إلى الداخل وعند تقدمها سمعت أصواتا وطرقات وعرفت أن من في البيت هم لصوص. فعادت خطوتين إلى الوراء قبل أن تستدير وذهبت إلى غرفة صغيرة تحت شجرة الصفصاف توحي بأنها دورة مياه خارجية، دخلت وأغلقت الباب من الداخل بمزلاج، رفعت غطاء وغابت تحته.

***

كان أبوها منذ أعوام قد بنى هذه الغرفة وحفر نفقا يصل عمقه حوالي المتر في زاوية من زواياها وعمد إلى غطاء خفيف من البلاستك على شكل سيراميك أرضية هذه الغرفة بحيث أن الذي يراه لا يميزه، على أن توضع طاولة فوقه حتى لا يسقط أحد بالصدفة في هذا النفق وحتى لا يخطر اي خاطر لأي شخص غريب وهذا النفق يتسع بالأسفل على شكل حجرة تتسع لخمسة أشخاص قعودا، أي هي وأفراد عائلتها، والجحرة بدورها تنفتح علىنفق يطل على حديقة البيت من الجهة الأخرىجلست في هذه الحجرة حتى هدأت أصوات اللصوص وخرجوا من البيت، فمكثت عدة ساعات أخرى حتى استعادت قوتها، وقدم الليل ومعه الظلام والهدوء. خرجت من الحجرة ثم إلى الغرفة وبعدها إلى غرف البيت، وتفقدت كل شيء تحت جناح الظلام، وعادت إلى الغرفة تحت شجرة الصفصاف بعد أن أخذت مؤونة من المطبخ تكفيها لأسبوع فربما بعد ذلك تستطيع أن تتسلل من الفتحة المطلة على الحديقة عندما يكون الطريق آمنا. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.