الخرافة المقدسة

الخرافة المقدسة

اللوحة للشاعر والرسام جبران خليل جبران

بعث الله الرسل إلى الناس برسالة التوحيد والإصلاح، وعبر التاريخ لم يحافظ الإنسان على الرسالة الصافية طويلا، بمجرد وفاة الرسول يبدأ الانحراف، تُنبت للرسالة حواشي، وتتمدد طقوس وتترسخ أساطير وعادات تُنسب للمقدس، ويتحول الصراط المستقيم إلى مسارات متعددة مثل بيت جُحا، وتنتشر دكاكين الأديان، ويصبح مدار حياة الناس حول الحَسَد والسِحْر ومَس الجِن، ويُدَّعَى للأولياء كرامات تَرفعهم عن البشر، وتتقدم قضايا صغيرة وتتأخر قضايا جليلة وخطيرة، فيحيا الناس بأفكار كارثية وينزلقوا بها إلى مآسي لم تكن تخطر بالبال.

في عام 1692م، كان سكان المستعمرات الشمالية الأمريكية من المتطهرين الذين هاجروا من أوربا لتأسيس المدينة المسيحية الفاضلة، وفي مدينة “سالم” كان لقسيس الكنيسة فتاتان، وفي يوم انتابتهن نوبات صراخ وتكسير للأشياء، قال الطبيب إنَّ بهنَّ سحر، انتشر الخبر بالمدينة وسرعان ما ظهرت نفس الأعراض على كثير من البنات بالمدينة، وأصبح كل ولي أمر يَتَّهم من يكرهه بعمل السحر لابنته، سرت الهستيريا بالمدينة، وتم استدعاء المتهمين ومحاكمتهم علنا، وسُجنت طفلة عمرها أربع سنوات بتهمة السحر لمدة تسعة أشهر، واندمجت بنت تُدعى “إليزابيث” في نوبات أمام المحكمة ونثرت اتهاماتها حتى أنها تسببت وحدها في إعدام ثلاثة عشر متهم من العشرين الذين أُعْدِموا بتهمة السحر، بعد نهاية المأساة، انتاب المستعمرات الشمالية كلها رفض لما حدث واعتبروا الضحايا أبرياء، ولكن بعد فوات الأوان.

وبعد ثمانين عام، عقب حرب الاستقلال وعند كتابة دستور أمريكا، كانت هذه الحادثة السبب في كتابة نص يمنع قيام الدولة على أساس ديني.

هذه القصة مثال من أمثلة عديدة لنفسية وتفكير أوربا في العصور الوسطى، وتجعلنا نتساءل، كيف ينجرف الدين الإلهي إلى معتقدات تؤمن بالشياطين والسحر؟ 

يروي المفكر والأديب السعودي “مرزوق بن تنباك” قصة حدثت من ثلاثين عاما، وذكر فيها أسماء كل الشخصيات بالوثائق، حيث حَكَمَ قاضي يؤمن بتلبس الجن، على شخص ضعيف كفيف “ذكر اسمه” بتهمة السحر، وقام القاضي بسماع شهادة اثني عشر جنِّيا وسجل أسماءهم حضوريا بِسِجل المحكمة الشرعية، وتوجه حرسٌ بناء على شهادتهم إلى منزل المتَّهم ووجدوا الدليل، وأعدم المتهم،  ذكر المفكر أنه تقدم بشكوى للأمير نايف بوزارة الداخلية.

رغم ندرة مثل هذه الحوادث إلا أنها حدثت أمام القاضي والموظفين والشرطة، ومع ذلك ونظرا لسيطرة فكرة الجن والسحر عليهم، لم يوقف أحد هذه الجريمة.

هذه القصة نموذج آخر لسيطرة الوهم على عقول المسلمين وربطه بالدين.

في أيام شبابي قادني الشغف بالروحانيات إلى كتب الصوفية، مثل (الفتح الرباني والمِنن الكبرى)، وفيها أخبار عن الخوارِق والكرامات لشيوخهم، وأثناء القراءة وأنا مستمتع بهذا الذي يمشي على الماء وينتقل بين البلاد في غمضة عين، قرأت قصة عن الشيخ حين همَّ بالوضوء بالمسجد، فأحْجَمَ مشمئِزَّا في حركة عنيفة ثم قال: “ما هذه النجاسة!، يأتي أحدكم ليتوضآ ويرمي بأوساخه هنا”، قيل له ماذا جرى يا شيخ!، فقال: “هناك شخص توضأ بعد أن قام بعمل الفاحشة مع عبده”، ادَّعي القطب الصوفي أنه يرى بعين بصيرته ماء الوضوء بألوان المعاصي، وأن للذنوب ألوان بحسب خطورتها ونوعها، وهنا فقط  استيقظت من قصة ألف ليلة وليلة التي تتحدث عن الكرامات لأنتبه إلى مصيبة، تساءلت: “هل يفضح الله عباده، فيهتك ستر المذنبين؟” “إن الله ستر المنافقين ولم يفضحهم للناس!”

ثم انتبهت لهذا الشطح، ولم أعد أؤمن بمن يدَّعي أنه يعرف غيبا، أو أنَّ العين تفلق الحجر، ولا بالأعمال السفلية والسحرية التي تؤثر في أجساد وإرادة الناس، فالله لا يُسلم بشر لبشر دون أسباب ظاهرية ولا يسمح بخرق القوانين.

في إحدى القرى بمصر، قبل ثورة 1952م، تزوج رجل بامرأة ثم عجز عن الاتصال الجنسي بها، وكتم الزوجان الأمر لسنوات طويلة، وفي يوم كان الزوج جالسا في أحد الأفراح، حيث يدور الحشيش بين الناس، وحينها يفقد الناس صوابهم وينجرفون في الكلام، فسمع بجواره رجلا يخاطب صاحبه قائلا:

“لا تستهن بي فأنا أقدر أن أسخطك قردا”، فضحك زميله، فرفع الرجل الغاضب صوته دون أن يدري وقال له: “هل ترى هذا الرجل خلفك، لقد عملت له سحر ألا يقرب زوجته أبدا”.. سمع الرجل الكلام ثم غادر وعاد بعد لحظات ثم أطلق النار عليه وقتله، وفي المحكمة حكم القاضي الشرعي حُكما مخففا مع وقف التنفيذ، وقال في مبررات الحكم: “إن المجني عليه قد سبقه بقتله معنويا مما دفعه للقصاص منه بقتله ماديا”.

وبالتفكير في الحادثة نفهم أنَّ التفكير الخرافي كان سائدا، ولم يكن الطب بمثل تقدم اليوم، فاليوم نستطيع بعرض الرجل على بعض الأشعة والتحليلات، أن نعرف أسباب العجز الجنسي وإمكانية علاجه.

يروي الدكتور “جاسم سلطان” أنه حين كان يَدرس الطب النفسي بأمريكا، وفي نوبة ليلية بالمستشفى حيث يتدرب هو وزملائه الشرقيين، عُرضت عليهم حالة مطابقة لحالات تلبس الجن الشهيرة عند العرب، وأخذ المريض يتكلم بصوت مختلف ويقول كلمات وكأنه شخص أخر، كتب الأطباء الشباب في دفترهم أنها حالة تلبس بالجن، وجاء أستاذهم في الصباح وعاين الحالة وقرأ تقريرهم وابتسم، ثم فتح عدة مراجع علمية  تشرح تلك الحالة على أنها مرض نفسي معروف يدفع المريض للتكلم بهذه الطريقة، وأخذ يشرح لهم المرض وطريقة العلاج.

وهنا يتضح الفرق بين شعوب تُخْضع الظواهر للاختبار العلمي لتفهمها وبين أخرى تستسلم لأفكار خرافية.

يسارع الإنسان الضعيف إلى الهروب من استحقاقات الواقع فيقع في تلك الفخاخ الغيبية، ولهذا اشتهر من ينسب الفشل في الحياة (الزواج. العلاقات. الإنجاب. الرزق) إلى مس الجن أو السحر أو الحسد، ولهذا نرى تمزق العلاقات وتباعد الناس في بلادنا بسبب ظنون الحسد، وخاصة أن أغلب الناس على اختلاف ثقافتهم يؤمنون بقوة مادية للعين والسحر، بل إنَّ محاربة هذا الاعتقاد يعتبر مغامرة كبرى ويصعب نجاحها، لأنها معتقدات مجدولة مع الدين، وللنفس حظ فيها، فإلقاء اللوم على الغيب يعفي النفس من استفزاز الإرادة للمقاومة.

الفكرة الدينية لا بد أن تظل صلبة، لا تنكمش ولا تتمدد ولا تُثقب أو تُجَوَّف. ولا بد أن تكون عارية، بلا لباس ولا زينة ولا حواشي ولا أطراف ولا جيوب سرية، فكرة صلبة تتميز وتستقل وتتعالى على ما يضاف إليها، ولكن من يصهر الفكرة الدينية مع ما يضاف لها من حواشي وبهارات ومشهيات وأساطير، يشوهها ويضيعها ويحولها من فكرة خيرٍ محض، إلى خلطة خير بالشر، فتكون بلوى على معتنقيها، وعلى من يقع تحت سُلطتها.

وأخيرا أتذكر كلمة للدكتور صلاح الراشد حين قال ناقدا هذه الخرافة الشعبية: “أصبحت الأمة تؤمن بالشياطين بدلا من إيمانها بالملائكة”.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.