د. عوض الغباري

للدكتورة سامية الساعاتي كتاب نادر مهم عن الدلالات الاجتماعية والثقافية لأسماء المصريين وعنوانه: «أسماء المصريين؛ الأصول والدلالات والتغير الاجتماعي»([i]).
وتتناول مؤلفة هذا الكتاب أسماء المصريين باعتبارها ظاهرة اجتماعية لها خصائصها ووظائفها([ii]).
ولاسم الشخص أثر فى نفسه لأنه لازم له، ومرتبط بأفكار مجتمعه، ونسقه الثقافى والاقتصادى والبيئى، حضري أو ريفي.
ولاسم الشخص دلالته على خصوصيته وارتباط ذلك بالقيم والعادات والتقاليد المجتمعية والأمثال الشعبية، والمتغيرات الاجتماعية([iii]).
واسم الشخص أول صفة اجتماعية للتواصل مع الغير، ومع الحياة الاجتماعية.
وأهم الدلالات الاجتماعية للأسماء أنها تعبير عن القيم الشائعة فى ثقافة المجتمع([iv]). وكذلك ترتبط دلالة الأسماء بالآداب الشعبية، وتاريخ مصر والأحداث المهمة التى مرت بها([v]). وتتوالى موجات الأسماء التى تظهر مثل الموضة فى المراحل الزمنية المختلفة، كما تنتقل هذه الموضة فى اختيار الأسماء من الحضر إلى الريف والمناطق الشعبية فى الحضر، ثم من الطبقات العليا إلى الدنيا([vi]).
وتشير الدكتورة سامية الساعاتى إلى أثر وسائل الإعلام المختلفة مثل الإذاعة والتلفزيون والسينما فى انتشار أسماء معينة فى أوقات معينة([vii]).
وتعود بعض الأبحاث الاجتماعية بعادات ريف مصر وتمسك الفلاحين بماضى أجدادهم إلى قدماء المصريين. وقد عبرت الأسماء المصرية عن التدين فيما حُمِّد وعُبِّد، كما ارتبطت أسماء المصريين بآلهتهم فى العصور الفرعونية. ويرتبط الاسم – أحيانا- بيوم ولادة الطفل مثل خميس وجمعة، أو بالشهور كرجب وشعبان ورمضان. وتجرى التسمية بأسماء الآباء والأجداد، أو بالصفات التى تميز المولود، أو بالنسبة إلى مكان ولادته، أو ظروف ولادته مثل متعب وعسران إذا كانت الولادة عسيرة.
كذلك يُنادى المولود بأكثر من اسم للتدليل. ويفضل المجتمع القديم الفتى على الفتاة للحاجة إلى الأول، ولحمله لاسم الأسرة، ولكنه يميل إلى الاعتدال فى المجتمع المصري([viii]).
وتتسم أسماء الفتيات المصريات بالعذوبة والطرافة والجمال، قديما وحديثا، كما تشترك مع الفتيان فى التدليل بأسماء أخرى. ويتناول الكتاب الطقوس والعادات المصرية عند ولادة الطفل، خاصة فى الريف.
ومن حق الولد على الوالد أن يحسن اختيار اسمه كما جاء فى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد جاءت أسماء مصرية من الأسماء التركية مثل بهجت وثروت أو الأوروبية مثل ويليام وجورج نظرا لما مرَّ على مصر من احتلال عثمانى أو إنجليزى، تقليدا من المغلوب للغالب على رأى ابن خلدون. ومن العادات المصرية فى الريف المصرى تسمية المولود باسم والده إذا توفى قبل ولادته، لاستمرار الاسم، ومن هنا جاءت عبارة “عاشت الأسامى”([ix]) وفى الريف المصرى حرص على التسمية باسم الرسول صلى الله عليه وسلم أو الخلفاء الراشدين أو أولياء الله الصالحين مثل السيد البدوى. وتُطلق على الفتيات أسماء مثل خديجة وفاطمة وزينب.
وكذلك أُطلق اسم سعد على الأبناء لحب الشعب المصرى للزعيم سعد زغلول، وجمال لحب جمال عبد الناصر . وقد يُطلق اسم غريب لدفع الحسد عن المولود فى الاعتقاد الشعبى مثل التسمية بالشحات. وقد سخر الشيخ يوسف من الأسماء الريفية الغريبة فى كتابه: “هز القحوف فى شرح قصيدة أبى شادوف”. وفى أوساط الطبقات الشعبية الدنيا فى القاهرة أسماء غريبة أيضا من هذا المنطلق.
وللعامة طريقة فى التصغير مثل إطلاق نفوسة وزنوبة وخدوجة على نفيسة وزينب وخديجة.([x])وكذلك يسمى الطفل “سيدهم” لمكانته بين إخوته ، وتسمى البنت ست أبوها إعزازا لها.
وتعد أسماء مثل عبد المسيح وجرجس خاصة بالمسيحية، الذين يشتركون مع المسلمين فى أسماء مثل عزيز وداود. وهناك من يلتزم بحرف أول معين فى تسمية الأبناء تفاؤلا بهذا الحرف مثل السين فى سهير وسوسن وسمير وسعيد وهكذا([xi]). وقد تُستمد الأسماء من الفولكلور وما يتضمنه من قصص ومواويل وأغان شعبية كالزناتى خليفة وأبو زيد الهلالى وبهية وناعسة، خاصة فى الثقافة الريفية المصرية.
ومن الأسماء الشائعة فى الريف عويس وخضر ودياب وخضرة وبهانة وأم السعد.
ومن الأسماء الشائعة فى الحضر عادل ونبيل وسهير وثناء.([xii])
وقد ترجع الأسماء العصرية إلى الأسماء القديمة مثل طارق وهشام.
ويختلف اسم التدليل من الريف إل الحضر فتدليل زينب بزنوبة فى الريف يقابله اسم زيزى فى الحضر.
ويأتى الاسم بناء على مظاهر الطبيعة مثل سماء وشمس، أو الزهور كزهرة ووردة، أو الطيور مثل صقر أو الأحجار الكريمة مثل ياقوت. ومن الأسماء المشتركة بين الذكور والإناث إحسان وإلهام([xiii]).
وقد ياتى اسم “مُنى” بديلا لمن اسمها أمينة أو آمنة ليتمشى مع الاسم العصرى.
ويغيِّر الفنانون أسماءهم الحقيقية ويختارون أسماء للشهرة ذات ايقاع موسيقى وعصرى.
ويتطرق الكتاب إلى الاسم المركب من اسمين، خاصة عندما يختار الأب اسما، وتختار الأم اسما آخر.
والغالب فى الاسم المركّب سبقه باسم محمد تبركا بالرسول صلى الله عليه وسلم([xiv]).
وترتبط تصنيفات الأسماء بدلالاتها الاجتماعية والثقافية المختلفة. وعندما تنفتح الحياة الاجتماعية بمتغيراتها فى الحضر تأتى الحيرة فى اختيار الأسماء. والأسماء تعكس القيم الاجتماعية.
وتتعلق الأسماء بالطبقة الاجتماعية وقيمها عند الفلاحين أو العمال أو المثقفين([xv]). وتختار الطبقة الراقية، مثلا، أسماء تركية أو أجنبية. وقد يحدث تقليد فى اختيار أسماء الطبقة الأدنى تشبها بأسماء الطبقة الأعلى بدافع التطلع الطبقى، وكسب المكانة الاجتماعية المأمولة، ومسايرة للعصر.
وترتبط الأسماء بالطبقة من حيث علاقتها بأساليب الإنتاج الزراعى الذى يفرض أسماء معينة مثل خضر وخضرة وقمحاوى وعدس([xvi]). وقد تحدد المواقف اسم الشخص مثل اسم “رزق” يأتى عقب الفرج من ضائقة،([xvii]) مثلا.
وقد يوجِّه معنى الاسم سلوك صاحبه مثل اسم “أمين” مثلا، فيكون اسما على مسمى. وتأتى أهمية هذه الدراسة للأسماء المصرية أنها ميدانية استقرأت ظاهرة الأسماء فى إطار واقعها المتغير عبر العصور.
([i]) الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001.
([ii]) أسماء المصريين ، السابق ،ص ١١.
([viii]) أسماء المصريين ، ص32.