لقاء في الخريف

لقاء في الخريف

اللوحة: الفنان الإسباني فيسنتي روميرو ريدوندو 

محمد محمود غدية

يغالب دمعة حبيسة، خشية أن تسقط وتلسعه سخونتها، حين لمس برودة الاستقبال وتحفظها، فاختصر الكلام وغادر، الكلام لم يتعدى السلام والاطمئنان فقط لا غير، اصطدم بقولها، أنها أرملة ووجوده غير مرحب به، شهق من المفاجأة وغادر، هل مات الحب بينهما، هل تدري أن صمته له ضجيج أتلفه وطحن عظمه، فشل في زحزتها بعيدا عن قلبه طوال سنوات الغياب، التي قاربت الربع قرن، مازالت تسكنه، تسافر في دمه، تهزه الذكرى وقت أن أعجب بملاحتها والليل المسكوب على ظهرها، كان يختلق الأعذار في زيارة شقيقها صديق طفولته، ليحظى برؤيتها، صارحها بحبه لها، بادلته الحب، وشجعته على خطبتها، بعد حصوله على شهادة الثانوية الصناعية، وعمله في ورشة والده الي سيرثها عنه، صحب والده ووالدته لخطبتها، وقد دخل الباب من بابه، مثلما يقولون، والمفاجأة كانت في رفض والدتها، التي قالت: البنت لسه صغيرة على الجواز.

طوى دهشته وصحب والده ووالدته وغادر، لم يستطع التخلص من هاته الدموع التي تحجرت في مآقيه، ولم يجرؤ على تركها تسقط، وبعد أسبوعين زوجوها لعريس يكبرها بسنوات عشر، أخذها بشنطة ملابسها، دون أن يكلفهم شيئا، وسافرا الى بلد عربي يعمل فيه الزوج، وانقطعت أخبارها، ترتفع حدة صفير القطار، لمسيرة أكثر طولا، وأقل إيلاما، في أسفار عديدة، واتساع الورشة بعد تجارته لقطع الغيار، لم يمتثل لنصائح الأهل والأصدقاء بضرورة الزواج، وظل أعزب، يتبعه حبه القديم في حله وترحاله، وإقباله وإدباره، تمر الأيام بطيئة موحشة، وتتعاقب الليالي، اشترى في برج حديث شقة فاخرة، في نفس شارعهم القديم، وأثناء سيره من أمام بيت حبيبته الذي يقطعه في اليوم عشرات المرات، خلع نظارته وأخذ يمسح زجاجها، غير مصدق ما رأى، يقبض على دموعه، هي من تومض بشعاع يخطف عينيه، وجهها نضر لم يغادره الجمال بعد، وجد نفسه يطرق بابها، وحين لمس برودة الاستقبال، غادر، هي الأرملة وهو الأعزب، لا شيء يعوقهما، دخل في عتمات متحركة، لا يدري أين يذهب، عيونه تمسح اللاشيء، وأقدامه تسير في اللامكان، خرجت عيناه من محجريهما، وتوقفت عند شباكها، الذي فتح فجأة ليراها ملوحة له بيدها، وسط ابتسامة واسعة، ترى هل هزها الحب وفرض الاشتياق، الذي يروي أرضها العطشى، لابد أنها مثله، تعبت من الرحيل في غابات التعب، وحقول المواجع، نحن نشيخ ونكبر، حين نتوقف عن الحب.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.