اللوحة: الفنان الألماني لودفيج هولوين
ماهر باكير دلاش

ماذا يطرأ على المرء فيخلق داخله الإعجاب والتعجب في آن؟!
بعض الأوقات تسجل في كتاب الحياة، تعيد المرء إلى إنسانيته وفطرته، تشعره بنمو فكره، ورجاحة عقله.. تجعله يمتلئ بشعور غريب “أنه ظاهرة غير منتهية”.
كان مساء يشبه الحلوى عندما قررت اكمال الرواية.. أي رواية؟ لقد نسيت!
لطالما أحببت الفراشات تداعب أزهار عباد الشمس عند الغروب، ولطالما أردت امتلاك خارطة طريق لأعرف كيف الطريق لوجهتي!
في صغري حلمت بقطعة شوكولا، لم تكن سوى قطعة شوكولا، وعندما كبرت علمت أن الحياة مثل تلك القطعة: رخو قوامها، حلو مذاقها، ضعيفة حوافها، متعرجة ثناياها، مثل جدار آيل للسقوط!
كبرت وهاجت بي الحياة وماجت، وأخذني موجها شرقا وغربا، لكنها علمتني أن الفكر غير الواقعي هو نتاج عقل نائم يوجد في الحاضر ولا يوجد فيه، ويقيم منطقه على عاطفة المرء ومشاعره، ومن ثم يرى نفسه في مركز العالم، ويعمل تحت سيطرة تامة من اللاوعي؟!
يوما بعد يوم، أخذ يتملكني ظمأ جارف منغص إلى الحياة العادية التافهة بلا هدف، كنت أريد هدوء النفس، والصحة، والهواء النقي، والشبع من قطعة شوكولا، لا أود أن أكون حالمًا، فالحالم لا يعرف ما الذي يريده بالضبط.
الأفعال تؤخذ بظاهرها، أما الأقوال يمكن تأويلها كيفما اشتهينا، والحقيقة كذلك دوما تترجم كما هي، أشد قبحا في نظر البعض عندما تتعرى، فيصبح الجنون عاقلا، والموج هادئا؟!
صدقوني أني لم أكن أرغب بالكتابة هذه اللحظة، لكن لا أعرف لمن أكتب او عن ماذا بالضبط، فقط اريد أن اكتب، الحاح داخلي لتفجير ما يحتبس في صدري. لكنني سأخبركم عن كل الأشياء التي تدعوني للكتابة، أرغب بالكتابة عن نفسي، هذه النفس الروحية التي أحملها من مكان إلى آخر، ومن مأزق الى مأزق، عن دواخلي وأفكاري التي تضعني دائما في المواقف التافهة، المواقف التي تجعلني أكثر الناس خسارة وخيبة.. أرغب بالكتابة عن رحابة العالم بكل جغرافيته وإختلافاته ومخلوقاته، حتى أني أريد الكتابة عن الموتى، والمجانين، وعابري السبيل. أرغب بالكتابة عن البكاء نفسه، عن اللحظة التي تتدفق فيها المشاعر نحو الخوف، عن الأفكار المسمومة التي تغذينا بها، أريد أن أكتب عن اللاجدوى؟!
لا يختلف اثنان على أن اللغة التي نكتب بها هي سمة التفاهم والتفاعل لكل بني البشر. كل البشر يملكون القدرة على رصف الكلمات، ولكني الى اللحظة التي أكتب بها أشعر أنني غير قادر على إيصال ما أريد قوله، أشعر أنني لا أملك مهارة الغزل والنسج بإيقاع موسيقي متناغم كلما حاولت!
متى ندرك أن مشروع الحياة مجرد حلم، واقع وتهديد، ترغيب وترهيب، بداية ونهاية أو بالأحرى بداية جديدة لا فناء فيها؟
أصحيح أن الدافع للكتابة كالدافع وراء الحب، مثل حب الالتصاق والتقرب من الآخرين؟ أصحيح أنه محاولة لإقناع الكون بأننا نملكه؟ أم أنه انسلاخ من المعركة الدائرة سرًا في جماجمنا؟!
عند القراءة، تثيرني اللُغة، الأحرف، الكلمات المتراصة في جملةٍ أدبيّة مبهرة، كيف تتحول هذه الأشياء متناهية الصِغر إلى عالمٍ متكامل مبنيٌّ على ورق ومتشكّلٌ في الخيال، ولكنه بالرغم من ذلك عالمٌ حقيقيّ، حقيقيّ وإن كان مُتخيلا.
الشعو بالانزلاق بين أحداث العالم، يجعل المرء يهيم مثل شبح حول حضوره الجسدي، كأنه يحيا في مكان ما بالقرب من نفسه. ليس حقا هنا، وليس في أيّ مكان آخر. شعور غامض بالانحباس… يرافقه إحساس بالقدرة على النفاذ من خلال الجدران.. وجهة نظر.
صدقًا.. يمكنني أن اكتب على جميع الجدران والأوراق والصدور ومع ذلك سيبقى قلمي يئن من الكبت، لكنني الآن أشعر أن الأمر أصبح كارثيًا أكثر من اللازم؛ فلم يعد بوسعي التحمل، يقتلني الصداع داخليًا، كيف سأنجو من كارثة نفسي وأستمتع بقطعة شوكولا – حلمت بها صغيرا – تلك وعقلي تتلاطم فيه التساؤلات كأمواج بحر هادر: ماذا يريد الإنسان في هذه الحياة؟ أحيانًا لا يريد شيئًا من هذا العالم سوى أن يمنحه لحظاتٍ من الهدوء والسّكينة والسَلام، بعيدا عن كل ضجيج، يعقد فيها هُدنة مع الحياة، يتنفّس بعُمق، ويرتب ذاته، ويرتاح من الأثقال، لحظاتٍ من الصمت الطويل تقوده إلى الصوت الصادق في أعماقِه الذي ضَاع بين الزحام.. في حضرة قطعة من الشوكولا داكنة!