أنا طفلٌ من غزة

أنا طفلٌ من غزة

إبراهيم مطر

اللوحة: الفنان الفلسطيني سمير الحلاق

أنا طفلٌ من غزة، أحِبُّ أن ألعبَ الغمّيضة مع أولادِ عمِّي أمام البيت، وأفرحُ بما جمَّعتُ من نقود، لكي أشتريَ تلك الآيس كريم بطعم الفانيلا من دكّان الحارة، وأشعرُ أني أسافر إلى آخرِ الدنيا عندما أصلُ إلى ذلك الشارعِ البعيد، يقولون أنَّ ملامحي أكثرُ براءةً من المعتاد، وأنّي أتكلَّمُ كلاماً أكبرَ من أن يقولَه أيُّ طفلٌ.

حكايتي مع الزمان بدأت بأنّي وُجِدتُ في هذه الدنيا، لِأُمٍّ وأبٍ انتظراني كثيراً، كانا يتَّسِمان بالطيبة وحبّ الخير، ويبتسمان لي دائماً، وكانت حصّتي من الكون هي أن أكونَ في هذا المخيّم، الذي أحببتُ أهلَه دون سببٍ يُذكر، وكان لي فيه من الرفاق، الذين كنت ألعبُ معهم يومياً بطولةَ كرةِ القدم الكبرى في ذلك الزقاق الصغير.

كانت أُمِّي تصفّقُ لي كلما دخلت الطائرةُ-الملعقة في المطار الذي في فمي، وكانت أختي تهدّهدُ لي، وتهدِّدُني في كلِّ مرة لا أسمعُ فيها الكلام بأن تتصل على شرطة الأطفال الواقفة تنتظرني خلف الباب، وكان أبي يحملُني على رأسِه عندما نسير في السوق، بينما كان يلبس أبي جلابيته الواسعة، وأنا أطبّل على رأسه وأضحك.

أرسمُ بيتي- الحلم في حصّةِ الرسم في كلِّ مرة على أنه: طريقٌ خضراء لم أرَ مثلَها في الحقيقة، وشجرةٌ يستظلُّ بظلِّها العابرون، ومنزلٌ من كوخٍ خشبي يضحكُ بداخلِهِ الأهلُ الطيبون، وتتصاعدُ من المدخنةِ ألسنةُ الدخان الناتجة عن طهو الحُبّ في المنزل، وشمسٌ تبتسمُ في زاوية الصورة. آهٍ، ما أجمل هذه اللوحة!

كنتُ أضعُ وساداتِ البيت كلِّها على السرير، ثم ألُفُّ قميصاً على عنقي، وأصعدُ، أعلى السرير والوسادات، وأرمي بنفسي لأطير، تنكسرُ يدي ويوبِّخني أبي وتقرص خدِّي أمي، لا بأس، هذه ضريبة أن تكون سوبر مان!

أحببتُ الحياةَ أكثر في يوم العيد، حيث كانت تتواجد تلك الأرجوحة الضخمة، في زاوية المخيم، أحببتُ الأرجوحة حتى وإن كان يملأها الصدأ، لأنها كانت تحقّقُ لي بعضاً من الحلم: أن أطيرَ، في أعلى أعالي السماء.

لبستُ الكوفية في يوم الإذاعة المدرسية، وقلتُ خطاباً رنّاناً عن الانتصار – لم أعلم أيَّ انتصار، لفّوا عنقي بالأعلام والألوان والأعلام والألوان، كأنها إشارة المرور: أحمر، أصفر، أخضر، واجتمعت حولي الكاميرات،

شعرتُ بأني بطل، دون أن أفعل شيئاً يُذكر، ثم نسيتُ أنّي عاديّ، وصدقتُ ذلك.

تثيرُني النجومُ في السماء وأسهرُ وأنا أعُدّها، وهذا القمرُ الذي يشبه وجهَ أمّي لم أرَ شيئاً أجمل منه، لكن، كلُّ ما أريد أن أعرفه، هو لماذا تتحول النجوم أحياناً إلى راجمات من نار؟ كيف تصبح تلك النجوم التي أحبها فجأةً ترمي القنابل على رؤوسنا؟ انتظرتُ أبي كثيراً بعد أن سافر، لا أعلم لماذا طالت سفريّتُهُ هذه المرة، يقولون لي أحياناً أنه مسافرٌ عند الله، لا أعلم هل السفر إلى الله يطول إلى هذا الحد؟

أنا الآن ألعبُ في مكانٍ واسعٍ جداً، وأرى نورَ الله، جبالٌ من الآيسكريم لي وحدي، آلافُ الألعاب أملكُها لي وحدي، وأسبحُ في النهرِ الذي أريد، وأهمُّ ما في الموضوع: أني حققتُ حُلمي في الطيران، أطيرُ الآن في كافة الاتجاهات، أما عن الأرجوحة فهي موجودة دائماً هنا تنتظرني -وليس فقط في أيام العيد-، أتعلّم الرقصة التي أريد، أنا سعيدٌ جداً هنا الآن، فلماذا تبكي أمي كلَّ هذا البكاء؟

عن «حكايا غزة»


إبراهيم مطر طبيب وكاتب من غزة.

رأي واحد على “أنا طفلٌ من غزة

  1. اللهم ارزق أهل غزة فرجاً و نصراً يتعجب منه أهل السماء و الارض يا رب اطعمهم و اسقهم و آمنهم و ثبت اقدامهم و انصرهم علي القوم الكافرين

    إعجاب

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.