الحرث في الماء

الحرث في الماء

اللوحة: الفنان السوري بسام الحجلي

يشتهر عندنا المَثَل المصري، “تظل تُعَلم في المتبلم طول الليل ويصبح ناسي”، ويُقْصد به الشخص البليد والضعيف التركيز الذي لا يتعلم ولا يفهم ولا يعتبر.

كثيرا ما تقفز إلى خاطري تلك الصورة؛ قطار ممتلئ بالركاب، يقوم السائق والكمساري والمفتش بملابسهم الرسمية، بسلب ذهب وأموال الركاب وتجريدهم من ملابسهم عدا الملابس الداخلية، ثم يقفز اللصوص من القطار، ومازال القطار يجري على القضبان، والركاب محتفظين بهدوئهم وتوقعهم الوصول لمحطة السلامة ويقولون يا رب.

تعتبر الحالة الصينية الهندية  أغرب من الخيال، حالة مضحكة للحمقى، وفي نفس الوقت ذات عِبرة للعقلاء، الصراع على الحدود بينهما خطير وحسَّاس، في عام 1962 نشبت حرب بين الصين والهند، انتصرت الصين نصرا ساحقا، واحتلت الأرض المتنازع عليها، ثم بعد ذلك بأسابيع قليلة، ودون ضغوط قامت الصين بعقد معاهدة مع الهند، لم يستعينا بحكام دوليين ولا بالأمم المتحدة، وقَّعت الصين عن طيب خاطر معاهدة، تنسحب بموجبها من الأرض التي حاربت لاستردادها، وعاد الوضع إلى ما هو عليه قبل الحرب، واكتفت الصين بأنها أعطت الهند درسا، وفضلت السلام على حسم النزاع بالحرب.

يدرك الصينيون والهنود أنَّ العنجهية لا تفيد، لقد أخذا درسا من حماقة العالم وخاصة الغربي والعربي، وحتى اليوم لا تتوقف الصدامات على الحدود بين الصين والهند، مناوشات كثيرة ومضحكة، ممنوع استخدام السلاح، قتال شوارع بالبوكس والشَلُّوت والسِباب، وأقصى سلاح هو “يد المقشة”، العصي هي السلاح المتهور بينهما، ولهذا لا تحدث إلا إصابات نادرة وطفيفة، كأنها خِناقة في حارة بين دولتين نوويتين. 

لم يتورطا في حرب مثل التي جرت بين إيران والعراق، أو التي جرت بين طوائف اللبنانيين، فالحروب عندنا تستمر سنوات طويلة وتقتل ملايين البشر. ولهذا أتساءل، هل هؤلاء الصينيون عقلاء أم نحن المجانين.

بعد استقلال مصر عن بريطانيا بسنتين كان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، وقامت إسرائيل وفرنسا وإنجلترا بتدمير هائل للأفراد والمعدات والمنشآت، وتدخلت أمريكا لوقف الحرب، وأعقب ذلك دفع مصر تعويضات كاملة للدول التي تضررت من تأميم قناة السويس، ورغم الهزيمة الواضحة ظل المصريون يحتفلون بهذا اليوم باسم “عيد النصر”، وكانت نتيجة تسمية الهزيمة بالنصر أن توالت هزائم أعنف وأفدح، فكان تكرار الخطأ وإنكار الدرس بثماره المريرة، وهذا مثال صارخ للفرق بين عقليتنا وعقلية الصين الحكيمة.

أتخيل مشهدا لرجل يحرث في البحر، فينكر الناس عليه، ويقولوا له: “يا أحمق، ماء البحر مالح، عليك أن تحرث في النهر فالماء عزب، فيطيعهم، ثم يقول له آخرون: “يا أحمق! أنت تحرث في النهر ولا تلقي البذر، فكيف تنتظر نباتا وثمرة!”.

لا شك أنَّ هذا المشهد عبثي ولا يعقل، ولكنه واقعنا، فنحن حين نفكر نتوصل لنتائج سطحية بعيدة عن الأعماق، ولذلك علينا أن نتساءل؛ أين ثمرة أي جهد نفعله فرادى أو جماعات منذ عشرات السنين؟

فلاح يحرث في أرض طينية وبجانبه نهر وفوقه سماء وشمس؛ ماذا ننتظر غير نبات يرتفع من الأرض وثمار تتدلى، ولكن حين يدور نشاط في قرية وكل فلاح يقوم على أرضه بنفس العمل ولا نجد ثمرة واحدة في القرية، ماذا نسمي هذا؟ ما الفرق بينه وبين الحرث في الماء أو الهواء؟ الثمرة هي البرهان وهي المحك وإلا فكله حرث في الماء والهواء، ولا شك أن الذي يحدث أنه مع كل عملية بناء تتوازى عملية هدم، فيصبح كل النشاط عشوائيا وبعيدا عن الحكمة.

جرت حروب بين الهند وباكستان، ثم تمكنت باكستان من امتلاك القنبلة الذرية، وتعادل ميزان الردع بين الدولتين، وأعقب ذلك تغيير في تفكير الهند، فقد رأت أن الأفضل أن تكون باكستان سوقا للبضائع الهندية فيحصل الربح المتبادل بدلا من الضرر المتبادل، فتغلبت الحكمة على التعصب.

لو نظرنا إلى أفغانستان اليوم لوجدنا مثالا صارخا على الحكمة الصينية، لقد ظلت الصين تراقب احتلال الإتحاد السوفيتي لأفغانستان وما ترتب عليه من قتال شرس وخسائر فادحة انتهت بتفكيك الإتحاد السوفيتي، ثم تلى ذلك احتلال أمريكا لأفغانستان لسنوات طويلة ثم انسحابها باتفاق مع طالبان، وبمجرد تولي حكومة طالبان، كانت أمريكا تتوقع أن تكون أفغانستان مشكلة كبرى وتهديدا  للصين، وهذا بالفعل كان متوقعا، سواء عن طريق تهريب المخدرات أو تصدير الجماعات الجهادية إلى الصين، ولكن قامت الصين برعاية أفغانستان اقتصاديا وماليا وإداريا ثم مدتهم بخبراء في مجالات كثيرة تساهم في دعم استقرار الحكم، فكانت الدولة الوحيدة التي استعملت وسيلة مختلفة مع أفغانستان، وسيلة الفائدة المزدوجة والسلام المتبادل، ومازالت كل من الصين وأفغانستان يجنيا ثمار هذه العلاقة الطيبة للطرفين.

في الفيلم المصري الشهير “عسل أسود”، مشهد يعاتب فيه العجوز “عم هلال” الشاب “مصري”، الذي عجز عن العودة لأمريكا، قائلا: أنت في الصورة المصرية لم تنتبه للعظمة التي تتمثل في الأم المصرية التي هي صابرة على أولادها حتى أنها مازالت تتكفل بالإنفاق على ابنها العاطل، ولم تنتبه لصبر الزوجين اللذان لا يجدان فرصة للخلوة ببعضهما بسبب الظروف المادية الصعبة، وظل يعدد له الجانب العاطفي في شقاء الإنسان المصري، أصبح يعدد له النبل الزائف في تحمل الإهانة والظلم والقهر.

يتخذ مجتمعنا موقفا غريبا، فبدلا من الاعتراف بالفشل أو الخطأ، وبدلا من البحث معا عن وسائل أخرى مثمرة، نسمي الفشل والعجز والهزيمة أسماء نبيلة ليدوم الحال ولا نتحمل المسؤولية عن البلاء، نسميها نصرا وصبرا وفلاحا، ونكذب ثم نصدق أنفسنا.

يحتاج مجتمعنا نخبة تفكر خارج الصندوق، تطارد الحكمة، تكشف زيف أفكارنا وضلال مشاعرنا، نخبة تفتح الأعين على المرض وتشير بأصابعها إلى الدواء، وتقوم بدلا من جلد الذات بنفث روح الأمل والرشاد في المجتمع، فالنخبة هي عقل وروح الشعوب، وبدونها نحرث في الماء.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.