مجتمعات الثمرة

مجتمعات الثمرة

كفاح جرجس

اللوحة: الفنان الأميركي غرانت وود

من أهم الفروقات بين المجتمعات التي ساد فيها الجهل والتجهيل وبين المجتمعات الآخذة في التقدم

هو أن هؤلاء يميزون بين البذرة والثمرة، فأولوا اهتمامهم وتركيزهم للبذور، بينما في المجتمعات الجاهلة المتخلفة تنتشر فيها فقط ثقافة الاستمتاع بالثمار على جميع المستويات من الثياب للتلفونات والشاشات والسيارات والديكورات…. الخ

وهم لا يستطيعون التحكم بجودة الثمار المُقدَّمة، بل هم (يستمتعون) بما يُتاح لهم وعلى مزاج القابض على زمام الاستنفاع من الإتجار بالثمار. ويغيب عن الكثيرين معرفة ما هي البذرة التي أنتجت كل هذه الثمار في المجتمعات المتقدمة.

من المؤكد والحقيقي والمتوافق عليه ذلك أن البذرة وراء كل هذا هو العلوم الانسانية من فلسفة وعلم نفس وعلم اجتماع، لذا فإن من يتزين بالثمار اعتقاداً منه أنه يرسم صورة متقدمة او متحضرة عنه فقد وقع في خطأين علمي وفلسفي؛ العلمي هو أنه يمتلك ثماراً في الوقت الذي هي التي تملكه وتوجهه، والفلسفي هو أنه يبقى أسير الوصاية لمُنتِج الثمار، بالإضافة إلى غياب محور التفكير للعمل على إنتاج البذور.

للأسف إن مُسلَّماتنا في الكتلة المعرفية السائدة أصبحت الفلسفة، والتفلسف في القضايا هو من باب الشتيمة والترذيل، وأصبح علم النفس والاجتماع من باب اللامجدي فهو (ما بطعمي خبز).

وتبقى جملة (من ثمارهم تعرفونهم) هي جملة براقة يحاولون فيها ستر عوراتهم النفسية والعقلية والاجتماعية بادعاء ملكية ما لا يملكونه حقاً، والطغاة يستمتعون بتغيير أنواع الثمار على بسطاتهم تحت عناوين باتت واهية كالتحديث والتقدم ومصلحة الوطن.  وما هم إلا تجار جملة في سوق جملة الجملة العالمي. بينما في المجتمعات المتقدمة تكون ثمار الحرية هي حريتهم هم، نمت بذرورهم في ظروفهم فأنتجت ثمارا متناسبة مع جهودهم ومنسجمة مع هوياته. 

 لذا فإن الإمعان في ثقافة استهلاك الثمار وثقافة قتل البذور وتغييبها وعدم إعطائها مكانها الريادي اللائق هو إمعان في التجهيل في عمق الهوية وعمق معنى الانتماء.

 لهذا فإن أنطون سعادة أطلق صيحته المشهورة “إن لم تكونوا أحراراً من أمة حرة فإن حريات الأمم عار عليكم” وللأسف تغييب بذرة فلسفة محيية كبذار سعادة يقع على مسؤولية الكثيرين من تلامذته والكثير من الدكاكين المنتحلة الصفة باسمه وتشويه صورته.

إن استمرار الجهل والتجهيل سيجعل من نبوءة نجيب محفوظ واقعاً حين تنبأ بأن استمرارنا في الجهل سيجعل بلادنا قبلة السياح ليتفرجوا علينا بدل الآثار.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.