قصتان: غربة الروح.. وميلاد جديد

قصتان: غربة الروح.. وميلاد جديد

اللوحة: الفنان الأميركي ماكس جينسبورج

محمد محمود غدية

كل يوم أنتظر حديثها، الذى يستمر لساعات، المستشفى خانقة الصوت، يسمع فيها رنين سقوط الإبرة، حتى أحاديث الأطباء والمرضى هامسة، المريضة التي حجرتها تلاصق حجرتي، تحادثني عبر الجدران عن شرفتها الأشبه بالتلفاز، كيف تصافح من خلالها الناس والكائنات والأشجار والأزهار، وكيف يغمرها ضوء الشمس، كانت بالنسبة لي بمثابة الهبة السماوية المدفئة في الصباحات الجليدية، رغم أنه لا يرى أحدنا الآخر، لأننا أسرى الفراش، حديثها كل يوم أشبه بمقذوف سعادة، يبدد العتمة المتكاثفة، ويرطب القلب، ما بين الإغفاءة والصحو، لحظات خليط يتداخل فيها زمن النوم بزمن اليقظة، حدثتني عن جمال الفراشات الملونة وروعتها، عن الولد الذى دأب على إلقاء الورد بشرفتها، كم تسرها الورود الجميلة ورائحتها الذكية، تحادثني فيكون الهواء طازج، وكل الأشياء مجللة باللون الأخضر، عن الرصيف المبلل بماء المطر، كيف انعكس عليه ضوء المصابيح، فبدا مغسولا براقا جميلا، هي امرأة بددت ثقل الرصاص الذى يحيط بقدمي، أراها بعين خيالي، تشبه لوحات القديسين، وفناني العصور الوسطى، تحمل كل صفاء الكون، حديثها أشبه بزقزقات أول سرب من عصافير الصباح، صوتها يطري النهارات، ويزيل خشونتها.

لابد أنها عاشقة، تلتقط من مسارات ذاكرتها أحلام ملائكية، حكائة متميزة مثل الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، تهتم بالتفاصيل الصغيرة والمتناهية الصغر، مشرقة كطلوع النهار في اليوم الرائق، أية ريح طيبة أتت بها إلى هذا المستشفى؟ وتلاصق حجرتي، سخية مثل بستان ورد، يدهشني الحكي والتفاصيل والجزئيات، دافقة كالنور، حتى كان يوما أبصرت فيه ضوء النهار يخبو، حين أخبرتني الممرضة، أن جارتي ماتت، أحسست وكأن روحي غادرتني، طلبت من الممرضة الانتقال إلى غرفتها للاستفادة من شرفتها، قالت: أن حجرتها بلا شرفة، ثم ما حاجتها لها وهي غير المبصرة.

ميلاد جديد

مازال يسدد نظراته إليها بوقاحة، لماذا هي وهناك أخريات يفقنها جمالا في المكتبة العامة، التي ألفت الذهاب اليها كلما داهمتها حمى الكتابة، شاعرة تكتب بمشرط جراح لا بالقلم، لها جرأة أمل دنقل، وبساطة الأبنودي، نالت العديد من الجوائز، متدربة في قصور الثقافة، مازال يحدق فيها، نظرت اليه في خلسة، تخيلته مثل فارس أمسك بالقوس والسهام، والله سهم عينيه أشد فتكا، ربما واحد من المعجبين بأشعارها، لا تمانع جلوسه إلى طاولتها، لكنه لم يفعل، لتفعلها هي، لم تستأذنه وهى تجلس إلى طاولته، وفنجان قهوته فارغ أمامه، قائلة: اشرب فنجان قهوة ثان معي، 

كم بدا جميلا في ابتسامته، مشيرا الى قهوته وهو يقول: انه فنجاني الثالث.. بادرته بقولها: معذرة وجدتك تنظرني فأربكتني، لأجدني هنا أمامك.

قال: شدتني بساطتك دون كلفة، وكنت في حاجة الى من يسامرني في حدتي، تواجدي في المكتبة صدفة، فلست من هواة الكتب وغير قارئ لها.

صديقتي هي من اختارتها للقاء ولم تأت وأغلقت هاتفها.

وعلى مائدة الحوار، تشابكت الحروف والأفئدة، أعمارهما متقاربة، تجاربه العاطفية معطوبة، هل كان مهم هذا اللقاء الذي دبرته الأقدار في صورة صدفة، تضافرت المشاعر وألقت إليهما بعباءة الحب في برد الشتاء، رفض أن يسمع قصتها، نحن أبناء اليوم، الماضي صفحة طويت، 

ما أجمل اللقاء دون إعدادات.

مدهشة الأقدار رتبت في السابق الشخص الخطأ في المكان والوقت الخطأ، هي من رتبت لنا اليوم هذا اللقاء الثري الذي كان بمثابة يوم ميلاد جديد. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.