الصكالانص

الصكالانص

اللوحة: الفنان الأسترالي مورتيمر لودينجتون مينبس

محمد نديم علي

قادما من غربتي في عطلة منتصف العام.. غادرت مطار الوصول.. قبل الفجر بساعات قليلة..كان هناك.. ينتظرني في ساحة انتظار سيارات الأجرة.

ألفت الرجل وألفني، واعتدت عليه واعتاد علي. وصرنا نلتقي كأصدقاء، في رحلتي الوصول والمغادرة.

كنا عند مدخل طنطا من جهة الإسكندرية.. الشتاء رهيب، والجو ملفع بضباب وصقيع.

عرج السائق الصديق، نحو ساحة من الأرض، يبدو أنها حقل مهجور على جانب الطريق السريع، به مقهى خشبي، تلفه أستار من البوص والخيش، ويخدم الزبائن فيه، ملثم يتحرك بنشاط ملحوظ، مقدما الشاي والقهوة، والشيشة.

– بعد اذنك يا حاج، ناخد حاجة تصحيني على الطريق.

هنا في هذه (الغرزة) بيعملوا أجدعها (صكالانص) في البر كله.

احتشدت في المكان شاحنات وعربات، وتجمع سائقوها طلبا لذلك (الصكالانص)

– يجعلنا مفتوحي الأعين على الطريق لساعات طويلة.

شدتني اللحظة، ودفعني حب الاستطلاع نحو تجربة ذلك الإكسير، الذي راح صديقي السائق يحتسيه بتلذذ واضح.

كان شيئا مرا، يثير الغثيان.

فسألته.. أنت لسة حتشرب شيشة؟

– لا لا.. أنا معايا دخاني.. وسألني ها.. إيه رأيك؟ سألني صديقي السائق، وهو يمتص دخان سيجارته الشعبية بنهم واضح. لم أر فيه سوى أحمق، راح يتلف رئتيه بحماس شديد.

–  ماشي الحال..

 أكملت كوب ذلك الصكالانص بصعوبة.

وكان رفيقي يهذي وهو يدافع بحماس عن مشروبه الأثير: ده خليط معاي من القهوة والشاي السادة.

 جف حلقي.. وفتحت زجاج السيارة إلى جانبي متلمسا نفحة من هواء. عطست بشدة. ضممت أطراف ياقة معطفي الفاخر. ولممت ساقي، استدفاءا من صقيع يسكن تحت قدمي.

***

كان جبل من الملل، يرخي بثقله علي. وكنت مؤرقا بطاقة سلبية من عدم الرضا بوظيفتي التي حملتني إلى السفر الذي لا ينقطع، وحرمتني استقرارا في وطني لسنوات طويلة. فما إن أصل لبيتي، حتى أستعد للرحيل. وما بين الوصول والارتحال، هموم، وإجراءات، ومسئوليات.

وكلما توغلت في الهجرة، كلما ساءت ظروف الوطن الاقتصادية، وهكذا كان على التوغل والارتحال إلى ما لا نهاية.

***

أنا بين رحى حجري الطاحونة.. غربة يحوطك فيها بها الرغد، وبها كل العناء. ووطن به الجذور، ولكن يطاردك فيه شبح العوز، ووجوه الحاسدين.

أي عناء ذاك الذي لا يفارق تفاصيل حياتي؟ وأي جهد خارق علي أن أبذله كل ساعة من ساعات اليوم الدراسي الشاق في بلاد، لا يرى طلابه فائدة تذكر من معاناة التعليم والتعلم؟

عقول لاهية، لحستها بهرجة الثروة، والغنى الفاحش. علي الآن أن أغرس فيها علما تعلمته، وقيما حملتها في ضميري ووجداني، وصلتني عبر الأجيال.

كنت أهتف أمام طلابي بفخر وحماس:

(شهادتك العلمية هي سلاحك.. هي مستقبلك.)

لم أنس يوم أن قاطعني تلميذ يرتدي العقال: أستاذي عفوا.. رغم شهادتك العلمية.. فأنت تبحث عن عمل خارج وطنك..

أستاذ.. أنا عندي كل شي.. فلماذا أتعلم؟ عندي سيارة ليست عند رئيس جمهوريتكم!

***

كنت وما زلت مرهقا، ساخطا. ما الذي يدفعني نحو هذا العناء المميت لي على الأقل. لا أخفيكم سرا بأنني قد سئمت وظيفتي، رغم أنها باب كل رغد أحياه، وسبب كل واجهة اجتماعية أتصدرها.

فها أنا ذا أرتدي فاخر الثياب وأشهر العطور، والساعات المرصعة بالألماس، أجوب الموانئ وأمتطي أسرع الطائرات. أنزل بأفخم الفنادق، وأحتسي قهوتي الغالية في المقاهي الفاخرة، وأقود سيارتي الحديثة، كل ذلك لم يزدني إلا مللا ورتابة. ولي بيت جديد أسكنه. هل سبب ذلك هو اعتيادي على تواجد تلك الأشياء في حياتي، حتى أصبحت بديهيات لن تتغير ولن تتبدل، أم هو السأم النفسي، الذي يصيبني بسبب تخمة النعم والهبات التي يمنحنا الله إياها!

لا أدري، لكن ما أعلمه يقينا، هو أنني ثقيل القلب، منقبض الصدر، مرتبك الوجدان بهواجس القرف والسأم، وعدم الرضا.

شيء ما، لا أعلمه قد سقط مني.

وافتقده بشدة!!

لكن شيئا واحدا يجعل وجودي في تلك المعركة ذا معنى يرتضيه ضميري، هو أسرة وعيال، ارتبط واقعهم ومستقبلهم وأحلامهم بجهدي، وكفاحي، ولم يكن في استطاعتي التنصل من مسئولياتي.

وحين أرى عيونهم تفيض بالأمن والفخر إذ ألتقيهم، فذلك يكفيني !! 

***

اقتربت السيارة من المزلقان، الذي تم إغلاقه استعدادا لمرور قطار الفجر؛ وفلاحة أربعينية، ذات وجه بدا مضيئا، في غلالة الصبح الذي بدأ في التنفس، وصلت لتوها في المكان على جانب السكة.. وبهمة عشرة رجال، كانت تنزل أقفاص الخضار والفاكهة وتصفها عند الرصيف.. وجلست خلفها مشتملة بنصف بطانية في انتظارا للصباح، حين يبدأ السوق الأسبوعي.

نزلت إليها.. محكما إغلاق أزرار معطفي الفاخر، ألقيت تحيتي فردت بأحسن منها. ابتعت منها أصنافا عدة. دعوت لها بالخير.. فردت الدعوات بأحسن منها. ورغم شعوري بلحظة دفء غريب، إذ عاملتني بود صاف، وبصوت رائق، مفعم بكل نسمات الرضا والصبر والاحتساب، وطيبة هذه الأرض؛ شعرت بأنني أتضاءل.. أتضاءل.. حتى سقطت من معطفي كبرتقالة عفنة عند ذلك المزلقان.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.