ما أشقى الإنسان!

ما أشقى الإنسان!

اللوحة: الفنان الأميركي جيم دالي

عندما يفاجأ قطيع الغزلان بأحد النمور مسرعا إليه من بعيد؛ يفزع القطيع ويتفرق في كل اتجاه، ويُفرِد النمرُ غزالا وحيدا بالمطاردة ويتجاهل بقية القَطيع، يظل الغزال المسكين يجري بأقصى سرعة، ويشاء القدر أنْ تنجو الفريسة ويختفي النمر عن نظرها، وفي لحظة ينخفض الأدرينالين في دماغ الغزال، ثم يتوقف ويمشي الهُوينى في المَرعى؛ يأكل ويشرب ثم يتمدد ناشرا جَسده متَعَرِّضا لحرارة الشمس؛ ويُغمض عينيه مستمتعا بأمان اللحظة.لقد قام بعمل مَسح تلقائي لتلك التجربة التي خاضها منذ دقائق قليلة، كان الغزال على بعد أمتار قليلة من فم النمر؛ومع ذلك لم يُصب بصدمة نفسية أو عصبية؛ ولم يُضطر للذهاب لطبيب نفسي ليعالجه؛ بل نسي النمر تماما؛وعاش حاضره ومستقبله بلا نمور ولا هُموم تِكرار التجربة.

وهذه هي الميزة البارزة للحيوان على الإنسان! الحيوان لا يُرهق فكره بالماضي ولا بالمستقبل، الحيوان لا يشعر بالفَوْت، الحيوان لا يشعر بالتأنيب! الإنسان غالبا يشعر أنَّه ليس في زمانه ولا مكانه؛ وأنَّه لا يؤدي الواجب الذي عليه أنْ ينجزه أو يشغل نفسه به.هذا شعور اللحظة للإنسان معظم حياته، نفس شعور الطالب حين تمر الشهور والشهور؛ ويوشك العام الدراسي على الانتهاء ولم يفتح أي كتاب دراسي، شعور من يُجذب من ملابسه للخلف ويُعاق عن المتعة الصافية، يشعر بالضرب على ظهره طوال لَعِبه وسَمره وسَهره ومَرحه؛ يظل يتلقى سهام التوبيخ الذاتي المُعَكِّر للمِزاج والنازع لدَسم المتعة، حتى في لحظات التهيؤ للنوم يكون اللوم شديدا؛ وينفرد به التأنيب في تلك اللحظة التي يتحلل فيها جسمه مستسلما للنعاس، وتكتمل شبكة النكد لو جاءه في المنام هذا الكابوس اللعين أنه في صالة الامتحانات ويمر الوقت ولا يَسطر أي إجابة، ومع هذه المعاناة المُركَّبة والمُعقدة؛ لا يستطيع أغلب الناس مواجهة هذا الشعور إلا بالاستسلام لسياط التأنيب، والاستسلام لهدر العمر.

عندما أنظر إلى الإنسان وأقارنه بالمخلوقات الأخرى؛ أشفق عليه وأعجب بمعاناته النبيلة، ولهذا في يقيني أنَّ رحمة الله ستسع كل بني آدم حين الحساب وإقامة ميزان العدل يوم القيامة «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» فما كُرِّمَ الإنسان إلا لمؤهلات خاصة أنعم الله عليه بها وحده، فالذي حمله الإنسان في الدنيا ثقيل وخطير واستثنائي، وكل ما سأتحدث عنه لا يشعر به الحيوان ولا الطير، أتحدث عن الإنسان.. بني آدم.. الإنسان مهما كانت عقيدته.. الإنسان الذي:

  • تجرحه الكلمة.. وقد لا يلتئم الجرح لسنوات طويلة.
  • تؤلمه النظرة.. وهي نظرات بكافة الألوان: اللوم.. الاستغاثة.. التوبيخ.. الاحتقار.. التهديد.
  • يثقله الهم.. والهموم دوامات يتوالى مروره خلالها حتى نهاية العمر.
  • يأكله الحزن.. فيستحيل أن يعزل مشاعره وأحاسيسه عن الخارج.
  • يطارده هَمُّ الموت.. وهو ابن الخلود، وغُرِزَ في فطرته الرغبة في البقاء وهي فكرة بنت الروح التي نفخها الله فيه.
  • يخترق كل فكره ما بعد الموت.. حيث يصارع أمله يأسَه، ويعاني حياته كلها توبيخا ذاتيا؛ ويشعر دوما أنَّه ينتهي به نفق الحياة إلى مجهول مَهول، ولا يكفي هذا الإنسان معاناة في الدنيا، فالإنسان؛ له ذاكرة، وإحساس بالماضي والحاضر والمستقبل، لديه وعي يسعى طوال حياته لاستحضاره واستكماله، انسان جدير بأن يعذره الله ويرحمه الله ويُعِينه الله.

ولهذا نسمع عن ملايين الحوادث الموثقة لمن تعرض لتجربة توقف القلب والاقبال على الموت ثم العودة للحياة،وهم من كافة الأديان والطوائف والجنسيات، كلهم يتحدث عن مشاعر راحة وسلام وعدم رغبة في العودة، مما يشير إلى أنَّ الأغلب سينجو ويغفر له، ولا يخسر إلا الأقل وهم المفسدون في الأرض والطغاة والأشرار.

رأي واحد على “ما أشقى الإنسان!

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.