اللوحة: الفنانة المكسيكية فريدا كاهلو
محمد محمود غدية

ازدحام حول شاب جوار الرصيف، أوقفت سيارتي بينما الشاب ينزف الدم من رأسه، أوسعوا لي حين أخبرتهم بأنني طبيبة، تبين لي أن إصابته سطحية، أوقفت نزيف الدم الذى أفزع المصاب والناس، لا داعي لطلب الإسعاف، سأخذ المصاب بسيارتي وأنا في طريقي إلى المستشفى لعمل الإسعافات اللازمة، في السيارة لم يتوقف عن شكري، مهذب اللفظ، ينم ملبسه عن ذوق رفيع، في منتصف العقد الثالث تقريبا، تم تنظيف الجرح، وإعطائه حقنة مضاد حيوي، سألته عن سبب الإصابة فقال: كنت شبه تائه، اصطدمت بعمود الإعلانات أثناء سيري، مما أحدث الإصابة، كنت أفكر في زوجتي التي اختطفها الموت فجأة دون مقدمات لمرض، انحدرت من عينيه دمعة وهو يتساءل: لماذا خذلني الموت ولم يأتي لألحق بها، محدقا في صورتها التي أخرجها من حافظته، محاولا أن يستجمع شتات نفسه المبعثرة، بعد أن حوله الغياب إلى حطام سفينة قذفتها موجة عاتية في بحر بلا شطآن.
الطبيبة حرصت كل الحرص ألا تدمع عيناها، حتى لا تشجعه على مزيد من البكاء، طلبت فنجانا قهوة احتساها في استراحة المستشفى في محاولة للتخفيف عن آلامه قالت: على الإنسان أن يكون رحيما بنفسه، كل حقائب البشر مليئة بالأوجاع، الفرق بيننا أنك بدأت بفتح حقيبتك، أستأذنك في فتح حقيبتي، متزوجة لدي طفل وطفلة، غامت عيناها وبردت أطرافها وارتعشت وهى تتحدث عن فاجعة الموت الذى اختطف الأسرة كلها إثر تسرب الغاز، بينما كانت في نوبة ليليه بالمستشفى، انسابت من عينيها شلالات دموع، غير مصدقة أن العصافير والأزهار ماتت، الحياة ترصدنا ونحن نذوي مثل وردة هجرها المطر، وفارقها ندى الصبح، بحارنا بلا مرسى، تمسح عن عينيها الدموع، لكنها تفشل في إصلاح زجاج القلب الذى انكسر، إنها الحياة التي تتلاطم أمواجا ولا تكف عن ذلك، لتقاذفنا من شط لآخر.
لابد من تخطى محطات الوجع إلى محطات أخرى أقل ألما، فبعد كل ليل نهار، الإنسان دون أمل كنبات دون ماء، استأذنته في الانصراف، وقد شارف الليل على الرحيل إلا قليلا.