اللوحة: الفنان الياباني أكيرا كوساكا
- رؤية الهلال
رأيت الهلال مساء اليوم مرتيّن. الأولى حين خرجت للقاء صديق على المقهى، كان ينظر إلينا بوقار يكاد يختفي دقيقة خلف سحابة رمادية ثم يظهر من جديد، لعله كان يلهو معنا كما كنّا نفعل معه ونحن صغار.
في الثانية، بعد عودتي، حين أطفأت نور غرفتي، أعددت حاسوبي النقّال، فتحت ملف وورد جديد، قبل أن أبدأ في الكتابة، وجدته يطرق بيده الرقيقة على زجاج نافذتي، يخربش بأظافره النحيلة على حوائط الشرفة القديمة.
رحّبت به، قلت: غائب أنت منذ بعيد؟
بصوته المبحوح، همس: توقعت مجيئي؟
- أنتظرك كل ليلة.
سأل: وماذا عن هذا المساء؟
أمسكته من يده برفق، ساعدته على النزول من عليائه، أسكنته متكئًا جواري، وضعت على كتفيه معطفًا يحميه من لسعة برد شاردة ،إذ كان يرتعش قليلًا، قبّلت جبينه ثم وجنتيه بالتساوي، قلت: حللت أهلًا، ثم أكملت ما بدأته، رغم معارضته المصطنعة وخجله الرائع.
- نزعة استعراضية
أقسم سعيد جبر أن ذاكرته حديدية، هزّ رأسه وهو يقلّب عينيه في وجوهنا، أكدّ أن ما ينتابه محض عارض مؤقت، الوضع لا يدعو للقلق.
وبنزعة استعراضية عدّد لنا بضعة مواقف وأحداث مرّ بها معنا، أشار إلينا بأسمائنا، قال: هل تذكر يا فلان موقف كذا؟ وأنت يا علان كنت معي في حادثة كذا؟ ثم ابتسم وصمت.
- قلت: لكنك..!
- لكنيّ ماذا؟ ألم أثبت لكم؟
- من ناديتهم بأسمائهم الآن لا نعرفهم، حدّثتنا عن مواقف لم نسمع بها من قبل، ثم إنك تنفث بوجوهنا دخان سيجارتك الكثيف وتلوّح بها بعصبية ظاهرة!
قاطعنا بقلق، قال: تتضررون من الدخان؟
أجابه أحد الحضور، قال بهدوء ملحوظ، ربما حتى لا يثير حفيظة الشيخ: على العكس، جميعنا مدخنون، لكن لا توجد بيدك سيجارة كي تنفث دخانها في وجوهنا!
عندئذ اضطرب سعيد جبر بشدة، اعتراه ما اعتراه، استأذن في الانصراف، تراجع بظهره للخلف بأدب، لم ينس قبيل مغادرته أن يطفئ سيجارته.
