أنا.. أبي.. أنا

أنا.. أبي.. أنا

اللوحة: الفنان الروسي إيفان جوروخوف

باسم فرات

أبي حزنٌ عتيقٌ

أُمي كتابُ الحزنِ

حينَ فَتَحَهُ أبي

خَرجتُ أنا

أبـي

كانت أحلامُكَ تصرخُ

ونحنُ نُهيلُ الترابَ عليكَ

لَمَسنا الهزيمةَ فيها

هل ستُعلَّقُ بطولاتِكَ

نياشينَ لإغْرَاءِ النساءِ

في عالَمِكَ الجديدِ؟

هل ستُخْبِرُهُنّ عن انكسارِ

الربيعِ في حيواتِنا؟

عن نجمةٍ

لا تُغادرُ سطحَ دارِنا

عن سيدةٍ

آوتِ الحزنَ الى صدرِها

منذُ العاشرِ من تموزَ 1969

سيدةٍ

أشعلتْ مصابيحَ صِباها

على قبرِكَ

وكلُّ خَميسٍ

تجلبُ الفراتَ

إلى مثواكَ.

أنا

أبي             

دماؤكَ 

التي سالتْ على الجدرانِ

على السطوحِ

المنائرِ

النواقيسِ

في الغاباتِ

في البحارِ

سالت على السماواتِ السبعِ

   على الأرضينَ

دماؤكَ

التي منذ ثلاثينَ ألَمًا ونيفًا

تنـزفُ.

       .

          .

             .

                 .

                    .

                        . أنا. 

 أنا ثانيةً

الْتَحِفْ أمانيكَ

واتخذْ من عزلتِكَ سريرًا

ها هو نُكوصُكَ يتطاوَلُ

تلثغُ براءةً

فتُطاردُها بنادقُ المدنِ الحديثةِ

أيها المليءُ بالأشجارِ والطيورِ

أنامِلُكُ تُسمَعُ فيها الزقزقةُ

وخفقاتُكَ..

قداسٌ لتموزَ البابليِّ

على كتفيكَ مَواويلُ نخلٍ ودموعُ آسٍ

وفي لسانِكَ خمسونَ قَـرنًا من النحيب

شرطيٌّ بهيئةِ شاعرٍ

جاهدًا

يَقودُ الغبارَ الأعمى

ونقيقَ الضفادعَ الى أحلامِكَ

ولا يحترفُ سوى الدسائسِ والخياناتِ

يمضغُها كما العوانسِ وقد توارتْ

خلفَ الأفقِ الخجولِ إشراقتـُهُنَّ

جنرالٌ بلباسِ ربِّ عَمَلٍ

يَسومُكَ لغةَ المنفى ورائحةَ الثكناتِ

الثكناتُ رمادٌ يستدلُّ على بهائكَ

ألمْ أقلْ ها هو نُكوصُكَ يَتَطاولُ

وبينكَ والمآذنِ

ذكرياتٌ وبحارٌ وجيوشُ غزاةٍ

فلا أرضُ السوادِ

ترمي لكَ بسعفِها وجلجامشِها

ولا أرضُ “إوي”(١) تَمنحُكَ طُمأنينةَ “كيويها”(٢)

يا هذا يا سومريُّ

أَسَدُ الترابِ(٣)

سرقَ منكَ ما كدّستَ

على وسادتِكَ

من أمجادٍ

أنتَ تقولُ: النهارُ عبوديةٌ

تغرسُ مخالبَها في فمِ الوقتِ

فارقصْ على جثتِكَ الى آخرِ الوَهْمِ

كفاكَ أيها الرجلُ العتيقُ

يا ابن الراياتِ السُّودِ

والأكفِّ المخضبةِ بالانتظارِ

ترثي بهجتَكَ وهي بلباسِ حِدادِها

ماضيكَ تُقرّعهُ بكلِّ فِطنةٍ

بينما أيامُكَ الْمُقبِلاتُ

تَتَسَربَلُ بمُدلهمّاتِ الثيابْ.


(١) أرض إوي: نيوزيلندا.

(٢) كيويها: طائر الكيوي النيوزيلندي، وهو رمز للبلد وأهله.

(٣) أسد التراب: التسمية العراقية القديمة للأفعى.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.