أحلام مؤجلة

أحلام مؤجلة

هيام علي الجاويش 

اللوحة: الفنان الأميركي إدوارد هوبر

كما قلت سابقا لا شيء يدوم فالحياة تدور وندور معها. في يوم ثلجي كان البياض يغطي كل من لامسه، استيقظت وكنت مترددة، لكن أمي دفعتني دفعا للذهاب إلى الجامعة، فيجب أن لا تخسر معركتها والتي تديرها من خلالي. قائلة: هيا ابنتي اذهبي إلى جامعتك ولا تدعي شئا يلهيك عن هدفك حتى ولو بنظرة، فالمعركة شرسة. كنت أرى أمي وكانت تناقشني إلى أن تقنعي برأيها بمعنى (ديموقراطية الدكتاتورية). عندما وصلت إلى موقع الحافلة وجدت عدد الحافلات قليل، المهم وجدت حافلة تقلني إلى الجامعة، حيث حضرنا جميع المحاضرات رغم قلة عدد الطلاب، وعند خروجنا اكتشفنا عدم وجود أية حافلة لنعود بها، بعض الطلبة لم يكن لديهم أية مشكلة فسكنهم قريب، فاستولى القلق علي وعلى رفاقي المنتظرين معي، ولم نكن نتجاوز أصابع اليد الواحدة واتفقنا أن نقطع المسافة مشياً للوصول إلى مركز المدينة، لكن الخشية كانت في صعوبة الحصول على حافلات تقلنا إلى أماكن سكننا، وليس لدينا أية وسيلة للتواصل كما اليوم، أي لا يوجد جوالات ولا أحد يعرف أين نحن حتى يأتوا إلينا، فهل نبقى في الجامعة؟. 

***

يداً باردة أمسكت يدي، ورغم برودتها أحسست بحرارة تسربت من يده إلى يدي ثم إلى كامل جسمي، لقد كان غيث حضر على احتمال أنه ربما قد أكون هنا، وأنا التي لم أكن أراه إلا من بعيد أو مصادفة. وعندما رأى دهشتي لتواجده في هذا المكان والذي يبعد عن جامعته كثيراً، قال: ألم أقل لك فداكِ أنا، جئت لأوصلك إلى البيت لابد أن أمك قلقة الآن. عندها تلعثم لساني ولم أقدر على الكلام لقد أعاد لي طفولتي، وأوجد صبايا في نفس اللحظة، غاب للحظات وأتى بسيارة لزميله وأوصلنا جميعنا ثم أعاد له السيارة. بعدها ودون استئذان أو سابق إنذار كان يأتي كل أسبوع لجامعتي متقصدا وقت الفراغ عندي. ذات مرة كنت أنا وزميلتي في ندوة الجامعة تقدم نحونا وسلم فعرفته بها وقلت: فيحاء زميلتي، وعندما عرفتها عليه قلت: غيث، واحترت ماذا أقول عنه صمت قليلاً وأردفت رفيق طفولة فقال غيث: نعم طفولة وحاضر ومستقبل، فاحترت في قوله وأُحرجت من زميلتي فكيف أبرر ما قال، إلا أن زميلتي استأذنت وذهبت، مرت لحظات من الحيرة والإرباك قبل ان استأذنه وأغادر، ثمّ بات يأتي كل يوم ولحسن الحظ لا يوجد أحد من معارفنا، واختصرنا جميع أنواع العلاقات بعلاقتنا. رغم الخوف من المشاق والمصاعب.

***

لم يكن هذا هدفي أو مسعاي فقد حدث رغماً عني، ورغم تحفظي، ورغم صوت أمي الذي يرافقني أينما ذهبت، وأينما حللت. وفي يوم ربيعي كنت استعد للدخول إلى قاعة المحاضرات وإذ بيد ترتمي على كتفي.. يا الله ما هذا وما الذي يحدث؟ نظرت للخلف، غيث مجددا، قال لي: تعالي، قلت له عندي محاضرة، فقال: وأنا ايضاً لدي محاضرة فتركتها وأتيت… لقد غلبني الشوق واحجم عن الكلام، كانت هذه المرة الأولى التي يشير فيها بشكل مباشر لمشاعره، ويعري عاطفته، فرافقته دون تردد ومشينا، كنا نسير متحاذيين وكأن كل منا يخاف على نفسه من أن تنتقل اليه عدوى الجرب الذي أصاب الآخر، أنا أحتضن كتبي وخوفي، وهو محتضناً كيس صغير وقلق كبير، قادتنا الطريق إلى حديقة خلف المبنى، وجلسنا على صخرة كبيرة في فيء شجرة، هواء الزيزفون والصنوبر أعطانا شعوراً بالهدوء والسكينة، جلسنا متقاربين قليلاً، ومتوترين كثيراً. قال: وهو يتصنع الاسترخاء هل تعرفين أمي؟ لا بأس.. أنت لا تعرفينها ولكن في المستقبل ستتعرفين بها وتتعودي عليها، تابع.. قلت لأمي بأنني أحبك، وقهقه عالياً ليخفي إرباكه، ثمّ أردف، طبعاً صارحت أمي قبل أن أصارحك. فحماتك لها الحق في أن تعرف من سيأخذ ولدها منها، فهل تبادليني نفس الشعور؟. ورغم طريقته الغريبة ورغم أنه ذهب إلى النهاية دون المرور بالبداية، فقد سررت بقوله وبطريقته، لكن لم أظهر أي ردة فعل. ساد صمت بيننا ثمّ قطع الصمت قائلا: أحلم بك ليل نهار وعندما ألف يدي اليسرى على خصرك ويدي اليمنى تطوق عنقك تنظرين ألي بفزع وتجرين مثل سندريلا، وأنا أطاردك وأمسك بك وأتشبث كي لا تهربي مجدداً. كنت استمع وأنا مسبلة العنين وأهز برأسي إلى الأعلى والأسفل، وعند جملته الأخيرة فتحت عيني ونظرت إلى عينيه وللحظات ضاع الكلام مني، ثمّ قلت دع الحلم يتوهج وطارده بكلّ قوتك، ولا تمت قبل أن تتذوق عذاب وجمال حمل عبء الحلم، فقد يبقى الحلم حلماً ولا سبيل له ليرى النّور على الواقع، قال: إنما أظل أطارده ليصبح واقعاً ولن أموت ناقصاً حباً ولا ناقصا حلماً. فتح الكيس الذي كان بحوزته وناولني زجاجة عصير وشطيرة وله المثل أيضاً. وعندما بدأ بشطيرته قال: قالت لي أمي أنك وأمين مخطوبين! هل صحيح هذا الكلام؟ لم لم تقولي لي؟ عندها غصصت بالشراب، وبدأت بالسعال، واحمرت عيناي، وشعرت بالاختناق، قام ونقر عدة نقرات برفق على ظهري كي أستعيد انفاسي، ولمس شعري، وقال أراه ناعماً، لكني أحب الشعر الخشن، لأنه شعرك أنت، ثمّ عاد وجلس بالقرب مني أكثر، لملمت نفسي، فابتعد قليلاً. وانتظر حتى هدأت ثمّ نظر إلي يريد اجابة فقلت: هي قراءة فاتحة منذ زمن طويل. بين أبي وعمي فقط، قال: نعم وهكذا قالت أمي في هذا الصباح. فقلت لأمي كل يوم نقرأ الفاتحة عدة مرات، وهم قرأوها مرة إضافية تقبل الله منهم، أما بالنسبة لعلا فلن تخرج من بيت ابيها إلا لبيتي، اذا كنت موافقة طبعا، سررت وانزعجت بنفس الوقت، الكل يتحدث جازما متسلطا حتى بالحب، إذا متى يكون الكلام المعسول ومتى تظهر رقة العاطفة؟. لحظات وابعدت تفكيري وكل شجوني وآلامي وصبري وحبي وشوقي واعجبني اصراره، واكتفيت بأن هززت رأسي علامة الموافقة. قام ومد يده ليساعدني على النهوض، نهضت ومشينا دون أن نفلت أيدينا وتركت يدي غافية في يده، وكأن الرغبة تفوقت على الخوف من عدوى الجرب الذي كان في أذهاننا عند ذهابنا، وعندما افتراقنا قال: احفظي هذا التاريخ. ذهبت ابحث عن زميلتي وطلبت منها دفترها كي انقل المحاضرة وقلت لها لقد تأخرت و….. ثم حدثت نفسي “اهدأي علا” لا داعي للتبرير، أفكارك هي فقط برأسك ولا أحد يهتم. أخذت الدفتر، وذهبت إلى البيت وأمي وجدتني متلبسة بالكتابة من دفتر زميلتي فسألتني عن السبب، فقلت: محاضرة إضافية لم أعرف توقيتها ولأول مرة أكذب على أمي بعد أن كذبت عليها من أجل أمين فيما سبق. أمي لم تكن لتعترض على غيث لكن ستعترض على التوقيت.

***

وتوالت اللقاءات، لكن في أوقات الفراغ حتى لا تتأثر الدراسة، في يوم كنت خارجة من امتحان مرهق، وإذ بغيث ينتظرني على باب القاعة بعد أن سلم علي اقترح أن نذهب الى كافتيريا سوزانا وكانت غير بعيدة عن الجامعة، الكافتيريا كانت عبارة عن غرفة سفلية يوجد فيها عاملان وثلاث طاولات طعام وفي آخرها سلم حديد يطل على قسم علوي يقدم فيه مشروبات. طلب قهوة وصعدنا إلى أعلى، وعندما استقمنا على الكراسي نظرت إلى يميني وقرأت ما كتبت إحداهن بقلم أزرق وخط ناعم/ يلي مأمنة بالرجال متل يلي مأمنة للمي بالغربال/ فنظر إلى يساره وقرأ / لا تأمن للملوك ولو ملكوك ولا للنساء ولو عبدوك/ وضحكنا كثيراً وكأن الأمر مرتب. إلا أنه كتم ضحكته وقام عن الكرسي، وأشار إلي بأن أتبعه فتبعته دون أي كلام نزلنا، وأعطى صاحب الكفتيريا ثمن فنجاني القهوة دون أن نشربهما وخرجنا، وبعد لحظات أشار لحافلة وصعدنا بها، وعندما رأى استغرابي قال: لن نذهب إلى أي مكان نتحدث في الحافلة طوال الطريق وبعدها نعود في حافلة أخرى كي لا يرانا أحد، لقد رأيت أمين برفقة فتاة في الكفتيريا في الجهة المقابلة. والحمد لله لم يرانا، اضطربت وفكرت بأمي وقلت: يجب ألا أخرج معك إلى أي مكان كان علينا الانتظار لتتغير الأحوال، فقال: وماذا فعلنا هل رجمنا الكعبة أو هل ارتكبنا الفاحشة، المشكلة ليست في الانتظار إنما في العقلية يجب أن نقتحم، فانتظار الأشياء أن تأتي فربما لا تأتي، أو قد تأتي في الوقت غير المناسب، الذي تخافي منه اقتحميه، الأمان يكمن في قلب العاصفة، لكنني كنت صامته ولا أفهم ما يقول، ثم قال: ما أريده أن تقوي نفسك وطاقتك الداخلية وأن لا تفكري بالأمور الخارجية. فلن يفرقنا إلا الموت، قلت له عمي وأبي قرأوا… قاطعني وقال: أعرف هذا ولقد قلت لي هذا من قبل، وماذا يعني؟ وهل أنت سلعة تنقلين من بيت أهلك إلى بيت عمك رغماً عنك، أتعرفين أنك أول حب في حياتي؟ ومن اللحظة التي صدمني بها ابن عمك بدراجته أقسمت أن لا تكوني لأحد غيري وطيلة الفترة السابقة لم أفكر إلا بك، فهل يكون حظي في الحب هكذا وكأنك في آخر الدنيا ومرتبطة، هذا الارتباط باطل ونحن من سبطله لا تتوقعي أن ينثروا الفل والياسمين علينا. قلت: دعنا ننتظر لتتحسن الظروف، لكنه غضب وقال: قد تكوني أنت الظروف، اسمعيني جيداً، إن الذي يريد شيء يجب أن يحارب من أجله لا أن ينتظر حتى يأتي إليه، وإن بقيت هكذا أنا من سيكلم أمين، ليبتعد عنك… أمينك هذا كل يوم مع فتاة إلى أن استقر أخيراً على سارة وأظنه عاشق لها حتى الصبابة ولا تتوهمي أن يتزوجك. انتفضت من عبارته الأخيرة الجارحة والتي قصدها ليعرف أن كنت أحب أمين، فقلت له: ومن قال لك إني أريد هذا أنا أحبك أنت، وأريدك أنت فتركني، وغادر بعد أن أطمئن أنه اشعل النار في داخلي. قفلت عائدة إلى البيت وأنا أشعر بالإهانة من أهلي ومن ابن عمي ومن حبيبي، طرحت نفسي على الفراش غير قادرة حتى على النوم، نظرت إلي أمي وظنت بأنني لم أكتب جيداً في الامتحان وأكدتُ ظنها. في اليوم التالي قلت لأمي هل تعرفين سارة؟. أنها في علاقة مع أمين، رمقتني أمي بنظرة قاتلة، وقالت: إذا هذا هو الذي يحزنك؟ سنرى يبدو أنك تراجعت عن عزمك، وسترضخين للعائلة بإرادتك، وقبل أن أقول أي شيء تركتني وخرجت. يا الله…. أنا مقيدة، وأمي غاضبة، وغيث تركني ومشى، وأمين عاشق، وامرأة عمي لا تحبني، وعمي وأبي يريدون الحفاظ على ميراث العائلة. ما كل هذا؟!. يبدو أن المعركة بدأت وأنا وحيدة، علي أن أخرج من هذا النفق.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.