مدمع النهر

مدمع النهر

اللوحة: الأسكتلندي وليام مكتاغارت

دعاء صابر

يمر على بلدتنا نهر، لكنه نهر مالح!

في يوم من الأيام استيقظ جدُّ جدُّ جدي فوجده، ماء غزير يجري مجرى النهر، لكن ماءه مالح.. ويحمل لنا رسائل، تلك الرسائل كانت تأتي في قنانٍ زجاجية يحملها النهر إلينا فنلتقطها، كل قنينة تحمل اسما، كل اسم له حكاية سعيدة ما بعدها حكاية، حتى صار الآباء كل ليلة يجلسون إلى أبنائهم ويحكون لهم تلك الحكايات قبل النوم، وفي الأعياد نتغنى بالأناشيد التي تأتي في تلك القناني، حتى أن شابا في قريتنا قد وقع في غرام قنينة تحكي حكاية فتاة اسمها غيام، تلك تبعث برسائل حب تفيض بالمشاعر حتى أننا كثيرا ما نرى صاحبنا يحتضن القنينة كأنها هي، وكان يرفض أن يطلع أحد على فحوى تلك الرسائل كأنها كُتبت له هو.. حاول كثيرا أن يبعث إليها رسالة في قنينة هو الآخر، لكن النهر يسري في اتجاه واحد فقط، ولا أحد يعلم من أين يأتي هذا النهر.. حاولنا دفعه ذات مرة للسفر إليها عبر النهر، لكنه رفض وقال: تلك مشقة لا قبل لي بها، فلست أدري إن كنت أحبها هي أم أحب قنانيِّها.

مرّت سنون طويلة ونحن مازلنا نتغنى بأشعارهم ونحكي حكاياتهم ونربي أولادنا على حبهم إلى أن جاء يوم استيقظ فيه أهل القرية جميعا على فاجعة.. لقد نضب النهر! 

جفَّ النهر فجأة في ليلة وضحاها، لم تعد به قطرة ماء ولا قنينة واحدة، مرت أيام كاد يجنُّ فيها صاحبنا العاشق الولهان وقد انقطعت أخبار محبوبته، حتى اتخذ قراره بتتبع مسار النهر مشيا على الأقدام على غير هدى، كل ما يعلمه أن الرسائل جميعها تشير في النهاية إلى منبع النهر، فعزم على السير حتى يجد المنبع.

مرّ أسبوع كامل على غياب صاحبنا، لم نكن نعلم إن كان من الأحياء أم الأموات، حتى عاد فجر اليوم العاشر، وصل البلدة وقد فقد نصف وزنه وابيض نصف شعر رأسه، واصفرّ بياض عينيه! سقط في أول البلدة فحمله الناس إلينا، عندما أفاق لم يقوَ على الكلام من شدة ما جفَّ حلقه، وبعد يومين من التمريض تكلم: تبعت مجرى النهر ثلاثة أيام، في اليوم الرابع كدت أيأس وأعود، حتى بلغت في الظهر منتهى النهر، ركضت رغم إعيائي وقلبي يقفز في صدري حتى بلغت منبع النهر عند قرية صغيرة ألفيتها كأن ربك أبادها بالنار والحميم، سرت فيها لا أرى سوى الأطلال وجثث الموتى حتى وصلت إلى حائط وحيد قائم كتب عليه بالدم: هنا قرية سلام ومنبع نهر الدمع، إذا ما متنا ما جفَّ دمعنا!

مشيت نحو قرية أخرى بجوارهم سألت فيها عن قرية سلام تلك فألفيتهم جميعا يقولون “قرية سلام ليست سلاما”، أخبروني أن القرية يغير عليها الأعداء كل يوم منذ سنين طويلة فيعيثون بها فسادا وقتلا، وفي كل ليلة يبيت أهلها وقد أحرقت النيران عشرات منهم فيبكون حتى جرت دموعهم مجرى النهر، وفي النهار يكتبون على الورق حياةً سعيدة وأمانٍ وأشعار، ودوا لو يطيب عيشهم فيتغنون بها، ثم يلقونها في النهر آملين أن تتحقق يوما،

عدت إلى قرية سلام فمكثت فيها خمسة أيام أدفن موتاها، هنالك من دفنتهم قطعة واحدة وهنالك من دفنتهم أشلاء متفرقة وهنالك من تشبثوا ببعضهم فدفنتهم دفعة واحدة، وعندما هممت بالرحيل حدث ما شاب له شعر رأسي، وجدت الأرض تفيض بماء مالح…كأنه دمعهم! أطلقت ساقيّ للريح لكنني لم أسر باتجاه مجرى النهر، فإذا بي هنا بعد مسيرة نصف يوم.

راح يحرك رأسه يمينا ويسارا وهو يردد بحرقة: القرية تبعد عنا نصف يوم، ودموعهم تسير إلينا في ثلاثة أيام!

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.