هيام علي الجاويش
اللوحة: الفنان السوري طلال معلّا
كما قلت، يبدو أن الحرب قد بدأت وشعرت بأن الكل تخلى عني وأنا من عليه أن يخرج من النفق. لكن أمي استبقت الاحداث وقالت لأبي ابنتك لا تريد أمين لأنه على علاقة مع سارة، فرد أبي غداً أرى أخي لتحديد موعد العرس، العلاقة لا تعني ارتباط، هذا مجرد لهو ولا بد أن ينتهي، دخلت عند أبي وقلت له لا.. لا تحدد موعداً، فإن كان أمين قد انتهى من دراسته فأنا لم أنته بعد، وأيضاً لا أريده.. لانت لهجة أبي عندما رأى إصراري وقال: يا ابنتي أعرف ما لا تعرفيه وابن عمك نعرفه من صغره، ويصونك مهما حدث بينكما، وإن لم تتزوجي به سيحدث شتاتاً وضرراً. وليس هذا فقط فأنا أراه شاباً خلوقاً، ولن أجد أنسب منه لك. صرخت لكنني لا أريده نظر إلى أمي وقال: هذا ما زرعتيه في رأس ابنتك، لكن لا أنت ولا هي ولا أم أمين ولا أي كان له دخل في هذا الأمر، وخرج ليذهب إلى عمي. حاولت أن أتصل بغيث وغيث لا يرد، فيزداد الغضب في داخلي وأقرر أن أوافق على أمين، ثمّ أنكس بقراري، وأعود أوافق وأعود وأنكس، ودخلت في دوامة فقررت الانتحار دون تردد، لكن قراري لم يكن جاداً إنما لعبة استهوتني فربما يعود أبي عن وعد قطعه لأخيه. ذهبت إلى الصيدلية وابتعت أقراص منومة وعندما عدت أخذت جرعة زائدة منها وصحوت على نفسي في المشفى، الكل منشغل ولا أحد يدري ما هو التسمم الذي أصاب دمي، لكن أمي تمسكت بفكرة أنني أصبت بإعياء شديد وانهيار عصبي عندما علمت بأنني سأترك دراستي وأتزوج، نظرت امرأة عمي إلى أمي وقالت باستغراب: تتزوج! وهل كنتم ستزوجونها! لمن؟ امرأة عمي تكره أمي ولا تحبني ولكن كانت الأكثر طمعاً، وكانت دائماً تحث أبنها على الزواج مني، وتقول له يا ابني الزواج من ابنة عمك ليس نهاية العمر، يمكنك تركها بعد أن تتزوجها ويمكنك الزواج بغيرها إذا لم ترغب في تركها، لكن أمين كان أكثر نبلاً من أمه فيقول لها: ولماذا اتزوجها أن كنت أنوي تركها أو أنوي الزواج بغيرها؟ ثم إن سارة لن توافق على هذا الكلام وأنت تعرفين هذا، وأنا أعتمد عليك في هذا الموضوع.. أرجوكِ فأنت تحبين سارة وأنا أحبها، ولن أتزوج غيرها، وكذلك الأمر علا تحب غيث فليتزوجوا هم أيضاً، دهشت امرأة عمي وقالت: غيث الأجرب! ويكون شريكا لنا فيما بعد؟! فقال لها أمين: لماذا يكون شريكاً افصلوا الأملاك وهذه فرصتك للانتقام من أم علا بأن تتزوج ابنتها هذا الأجرب، وإلا سأفعل مثلما فعلت علا وأنتحر وأن نجت علا بأعجوبة فربما لا أنجو أنا، أو أسافر لإكمال دراستي واصطحب معي سارة بعد أن اتزوجها بموافقة والديها ودون علمكما، وأنا أجهز أوراقي للسفر، أطلق أمين سهامه في وجه أمه، وهم بالخروج، والغريب أن أمه أخذت كلامه على محمل الجد، فعاجلته قبل خروجه قائلة.. أي بني اسمعني جيداً، إن كانت سارة أو علا أو غيرهما فأنت لن تتزوج إلا فتاة تحبها. ليس هذا هو المهم وليس الزواج نهاية المطاف، أيا كانت زوجتك ستتسامران وتتشاجران وسينتابكما الملل، اسمع نصيحتي وفكر في مصلحتك ولا تأطر نفسك بفتاة.. المال يا ولدي المال هو فقط الذي يميزك ويجعلك محط أنظار الجميع، وستنال به كل ما تريد إن كان حقاً أو باطلاً. أجابها لكنني لا أريد إلا كفايتي.. قهقهت أمه وقالت: ما هي كفايتك؟ وهل أنت مكتفي؟ أين سيارتك، أين مكتبك، وما هو عملك الخاص؟ أم أنك مكتفي بالعمل مع والدك، ومكتفي بالحب؟ وهل تظن أن سارة تبقى معك إذا حرمك أبوك من الميراث؟ ثم لا تنسى ميراث علا.. توقفت قليلاً عن الكلام ثمّ تابعت.. ولم تقل ما أحبت قوله مباشرة، لكنها قالت: تزوجها أمي، واجمع مالك على مالها، وأنجب منها بني، وبعد ذلك لن يكون لديها وقت فراغ لك أن كانت هي أو غيرها، واحتفظ بحبك لسارة أو غير سارة فهم كثر، وغمزت بعينها. فتح أمين عينيه على وسعهما ليس من غرابة الطرح لكن لأنه تلقاه من أمه، وخرج ورأسه يضج بالأفكار.. جاء إليّ ليخبرني ببعض ما قالت أمه، طرق الباب ودخل لكنني أشحت بوجهي عنه. جلس على السرير بجانبي، وضع يده على جبيني وترك لأنامله حرية العبث بشعري وقال لي: أيا عليتي حبيبتي أتذكرين عندما كنت تهربين من أمك والدموع تملأ عينيك وتأتي إلي كي أسرح لك شعرك، وأضفره لأن أمك تؤلمك، وكنت أقول لك عليتي حبيبتي صغيرتي لن أسمح لأحد أن يمس شعرة من رأسك؟ لقد آن الأوان لأن أفي بوعدي، ثمّ سحب يده ولأول مرة لم تعلق أنامله بشعري فعبر عن دهشته، وقال هل هذا شعرك يا فتاة أم انه مستعار، فضحكنا كثيراً وكأننا غير مختلفين، ثم قال: إن غيث يبلغني التحية ورفض أن يرافقه لزيارتي. هدأت قليلا بعدما كانت الأفكار تطوح بي يميناً وشمالاً. وسألته عن سارة، ابتسم وقال: بخير، علا لا تفكري إلا بدراستك وسينضم غيث لعائلتنا ونغنى به أخ ورفيق وصهر، هذا اذا كان جاداً، ومر سريعاً على كلمته هذه، ثمّ قال أنا كلمت أمي كي لا أصطدم مع أبي وعمي، لكن إن لزم الأمر سأفعل ولن أبالي، هذه حياتنا، كوني مطمئنة وكوني على ثقة، وذكر لي ما كان من أمه.
أشهر مرت وعلاقتي بأمين طبيعية إلى أن طرق بابنا ذات يوم، سلم على أمي ودخل غرفتي وقال؛ هيا تعالي اشتريت سيارة وستكون أول نزهة فيها معك، وسنذهب للمكتب، أحب أن ترينه قبل أي أحد. استأذنت أمي وذهبت معه، وكنت طوال الطريق أنتظر أن يحدثني عن سارة أو عن غيث، لكنه لم يتحدث إلا عن نفسه وعن مشاريعه وأحياناً يقول نحن أو نعمل أنا وأنت.. الأمر لم يرق لي كثيراً لكنني لم أتوقف عنده، فجأة أوقف السيارة ونزل منها وقال هيا انزلي واجلسي مكاني وأنا اجلس مكانك، يجب أن تتعلمي قيادة السيارة، كانت لهجته آمرة وحاسمة فانصعت لقراره، وما أن استلمت الطريق حتى بدأ يضع يده على يدي بسبب وبدون سبب ويقترب مني بشكل أثار ريبة في نفسي، فهو لا يتصرف كابن عم أو كمعلم للقيادة، كان يتصرف كعاشق أو حبيب، توقفت عن القيادة وقلت له يكفي اليوم وعدنا، ثمّ باتت زياراته لنا تتكرر بسبب وبدون سبب، وكنت أرى ترحاب غير مسبوق من أمي وابي. في آخر زيارة له صارحني بحبه وقال عرفت الكثير من الفتيات لكنك الأجمل والأفضل والأغلى على قلبي، وأعرف أنك تحبينني كما أحبك، أما بالنسبة لسارة ولغيث فقد كانوا في فترة طيش شباب ومضى، الآن حقت الحقيقة أنا وأنت خطيبين منذ زمن ولا ينقصنا سوى الإجراءات الرسمية، وبعد تخرجك نتزوج. قلت: لا انت كأخي ولا أشعر تجاهك إلا بحب الاخت لأخيها، أجابني وأنا كنت كذلك ولكنني طورت مشاعري وأصبحت أحبك وأعشقك، أنت تفهمين قصدي، أي ليس حب أخوي. صمت ولم أعرف كيف أرد عليه، وفكرت بيني وبين نفسي أن استشير أمي هي فقط من ينقذني. بعد ذهابه قلت لأمي الذي قاله أمين، فقالت أمي أجل ولقد تكلمت معي امرأة عمك، وعمك تكلم مع أبيك، على خيرة الله يا ابنتي. دهشت من التحول الذي أصابها فربما فشلت مع أبي الذي كان يأخذ موقفاً موارباً، ربما لأمر يخصه ويخص عمي، وعندما سوي الأمر كان موقفه صارماً. وأيقنت أنهم منذ وقت يخططون ويتفقون وقد قرروا الموعد أيضاً. إذ تمت الصفقة، وكانت التسوية.. على أن يتولى أمين مهمة استمالتي والتقرب مني، وهذا ما يفسر الحفاوة الزائدة عند زيارتنا، ودفعي لمرافقته إلى أي مكان يريد، حضور خطبة، حفل زفاف، تسوق، زيارة مريض، شراء فرش للمكتب، وو.. لم أرد على أمي، تركتها وذهبت إلى عمتي والتي كانت تستعد للخروج، وما أن رأتني حتى ضمتني وربتت على كتفي قليلاً ثم أبعدتني عنها بطريقة عصبية، وقالت ادخلي لقد فعلت الذي لم أستطع فعله. لقد هربت من عند اهلك كي لا تتزوجي أمين، أين حقيبة ثيابك؟ قلت: لا فقط زيارة، قالت: بلا هو كذلك أين حقائبك؟ وتابعت أنا اغار منك واشفق عليك، نظرت إليها مستفسرة.. قالت عندما كنت في عمرك أرادوا تزويجي من منصور تخيلي عمتي. كنت أحب شاباً لكنه لم يكن قادراً على مواجهة عائلتي، وكان جباناً لم يستطع اتخاذ أي قرار مع أنني اقترحت عليه أن نتزوج دون موافقة إخوتي، وطبعاً بموافقة أمي إذ كان جدك قد توفي. لكن الشاب رفض لأمر لم أستطع تفسيره إلا طمعاً في المال عندما علم أن إخوتي لن يعطونني حصتي إذا لم أتزوج منصور. وعقاباً لي وحفاظاً على المال رفضوا استقبال أي شاب يأتي لخطبتي، فقد كان يتم صرفه دون علمي، وهكذا مرت السنين حتى أصبحت بين الجدران، لكن عندما قلت لها أمي لا تمانع.. قطعت حديثي وقالت لن يأتيكِ الأذى من الذين هم أمامك أما عدوك تعرفينه وتحذري منه، ذلك السافل الذي أحببته، ووثقت به غدر بي وتخلى عني، أخوتي يريدن منصور لأنه لا يفقه شيئاً فيسلبوه ماله والمال حصتي أنا، في تلك الأثناء خرجت جدتي وصرخت في عمتي قائلة: ألم تذهبي لإحضار الدواء أم أنك تتمنين موتي، انصاعت عمتي لأوامر جدتي وخرجت من البيت للبحث عن الدواء وهي تشتم وتسب، اقتربت من جدتي ودسست رأسي في حجرها وبكيت، كانت جدتي تربت على كتفي حتى هدأت فقالت: صغيرتي لا تسمعي لكلام عمتك فهي تجلد ذاتها بسياط العائلة، لأنه أهون عليها من جلد ذاتها بسياطها هي، لقد كان حبيبها جبان وهرب عند أول منعطف وقد تقدم لها الكثير لكن كانت ترفض أن ترى أحدا منهم، وقد تركت دراستها وأصبحت كما ترينها، لا تتوهمي أنها هي من يعتني بي بل أنا من يعتني بها، هل تظنين بأنني بحاجة للدواء؟ لا أبدا، لكن طلبته كي تشعر بأن لحياتها أهمية، لكن عندما أموت كيف سيكون حالها ولمن ستشكو همها. اسمعيني حبيبتي لا تكرري خطأ عمتك، وتزوجي ممن تحبين وإن لم تستطيعي تزوجي بأمين، وإذا لم تتقبليه فليكن من ثالث، تزوجي وابكي منه وعليه وانجبي وأبكي من ولدك وعليه، لكن لا تتجمدي ولا تتركي دراستك، حاربي بكل أدواتك لنيل مرادك وإذا لم تستطيعي اسلكي طريقا آمناً ترضينه ويرضى عنه أهلك.. خذي وقتك قبل النعم وقبل اللا فربما تتغير قناعاتك أو ربما يفتح الله لك طريقا آخر. هيا كفكفي دمعك واغسلي وجهك واذهبي إلى بيتك قبل عودة عمتك. أخبريهم أنك غير مستعدة للزواج قبل إنهاء دراستك، واستمري بالعلم والتعلم لا تتوقفي عند الشهادة الجامعية، فإما أن يملوا منك وأما أن تقتنعي، وربما يحدث أمراً يقلب الموازين، دعي الزمن يخدمك فربما الخير يكون في الأيام القادمة. وفي نهاية المطاف قد تسألي هل تزوجت غيث أو أمين وهل تزوج أمين بساره او بغيرها فأقول: ليس مهما، المهم أنني لم اتصرف ضد رغباتي وخاصة في الأمور المفصلية، مهما كان الدافع ومهما كانت الذريعة.