عبد الرحمان الكياكي وعبد الجليل لعميري
اللوحة: الفنان الفنلندي هوجو سيمبيرج
الوقت عصر، والجو خريفي في بلاد لا يعرف أهلها صلواتنا. نعش محمول على عربة يجرها بغل هرم وحودي طويل القامة نحيف البنيان له حاجبين معقوفين ولحية خفيفة أظن أنه تجاوز الخمسين، يقود البغل الذي يجر العربة أمام النعش (صندوق خشبي غير متقن الصناعة)، وبضعة رجال منهوكي الحركة، تسبقهم لحيهم، وملابسهم الرثة تظهر تواضعهم، يسيرون خلف النعش. الهدف مقبرة الضاحية لدفن الراحل. كانوا سبعة رجال. ساروا جميعا عبر الزقاق المؤدي الى الطريق الرئيس للمقبرة. توقف الرجال الذين يرافقون النعش في انتظار وصول آخرين، مرت ساعة تقريبا دون جدوى.
أول الماشين وراء النعش نادل الحانة الجنوبية، حيث كان الراحل يفضل شرب كؤوسه كل يوم تقريبا، في أوقات معلومة، غالبا بين العاشرة صباحا والثانية بعد الزوال. هناك في الركن المعتم على يمين الباب الخشبي العتيق، كان يجلس وحيدا أحيانا، وأحيانا أخرى برفقة صديقه الفيلسوف. تبدأ جلستهما هادئة، وتنتهي صاخبة، إذ تتطاير شظايا أصواتهما في فضاء الحانة. صراخ تتخلله قهقهات ومصطلحات فلسفية واقتصادية. كان الراحل شديد الاعتزاز بنفسه ويظن نفسه صاحب نظرية كونية تصلح لحل معضلات الوضع البشري البئيس، لكن صديقه يسخر منه ويعاكسه. غير أن الخلاف هذه المرة كان حول مسألة غريبة: تحدي الشرب في الحانات العشر المصطفة بقلب المدينة (الحاضرون في الجنازة هم ندل بسبعة منها)، ولتمتد حفلة الشرب طيلة اليوم. كان يعتبرهم أصدقاء له ويغدق عليهم بين الحين والآخر كلما تيسرت ظروفه المالية أو صدر له مقال بجريدة معروفة بلندن يمكنه من تعويض سمين يكون للنادل نصيب فيه. بدأوا الشرب صباحا وانهوه ليلا، وهما يثرثران، خرجا من آخر حانة وقد أفلس كل منهما. في الطريق تعثر الراحل في حجر بالشارع العام. فلعن المجلس البلدي الذي أكثر من المصابيح وترك الحفر والأحجار بالشارع. وقف الراحل وصديقه أمام حفرة عميقة وبدأ كل منهما يغني أغنية عيد الميلاد احتفاء بالسنة الخامسة لولادة هذه الحفرة. ثم حملا حجارة وبدءا رجم المصابيح وتكسير بعضها. ظهرت دورية شرطة ففر كل منهما في زقاق جانبي واختفيا. طاردهما رجل شرطة لكنه عجز عن ضبطهما، فتراجع. وعاد كل منهما إلى بيته ليلتقيا صباحا ويضحكان كثيرا من حادثة الليل.
كان الراحل ذا لحية كثة وملامح قوية، من خلال نظراته المتأملة والتي تنظر الى ما وراء الحاجز الوهمي للزمن المستعار، الذي صنعه (أهل الوقت)، كان يزن الكلام ويتقن لغة الصمت لحظة انفراده بذاته، لكن عقله يفكر باستمرار كما قال دوستويفسكي. لم تستسغه الغالبية من المقربين، لأنهم لا يفهمون قصده، فهو المفكر والفيلسوف الذي اشتغل من أجل إنقاذ العقل البشري من التخلف والعبودية. جرى ذلك خلال مسار مهم من حياته، تهافت مجموعة من الباحثين في دراسة أعماله من خلال التقرب منه، لكن الحيطة والحذر كانت تلازمهم دائما مخافة “الشبهة” التي يسوق لها البعض من الذين لم يكن لهم باع طويل في العلوم الإنسانية والتفكير الفلسفي: ما أنتجه مشبوه ومصيره التلف وأن (أهل الوقت) يتتبعون خطواته، مما جعل جنازته فقيرة لم يحضرها سوى سبعة أشخاص، هؤلاء الندل.
هل يعلم الراحل أن المنافقين الذين كانوا يحيطون به قد اختفوا يوم جنازته؟ والذين انتفعوا منه كثر، والذين صفقوا لنظرياته وكتاباته أين هم؟ حتى صديقه الفيلسوف لم يحضر لأنه كان مسافرا بالإضافة إلى أنه- وبولحية يعرف ذلك ويوافق عليه- لا يحب العزاء والمآتم. أتخيله يغمغم: لا يهم أن أنسى وكأنني لم أكن! المهم ألا تنسى كلماتي ونظرياتي! أنا أيضا كنت أتحرج من حضور المآثم وأجواء الموت الثقيلة على قلبي تخنقني.