طه يونس
اللوحة: الفنان الفلسطيني عبد عابدي
الجندي يُطلق النار من الخلف، الأرض أمامه تتحول إلى صحراء، ليس هناك مكان للاختباء من الرصاص، كان تعبا، لم ينم منذ يومين، شمس صحراوية، عرق يتصبب من أنحاء جسده. كان يركض مثل سهم.
تذكر، أثناء ركضه، الجندي الذي رآه حافي القدمين، فعرض عليه حذاء عسكريا يرجع به إلى غزة. فكر؛ هل كان عليه أن يقبل العرض؟ قال في نفسه إن الذي يقبل البسطار العسكري اليوم يُمكن أن يرتدي قبعة غدا. أعجبته المقارنة، أحس نفسه فيلسوفا.. واصل الركض.
في البداية، خاف مسعود أن يعيده ذلك إلى التحقيق ودورة أخرى من العذاب، إلا أنه حسم أمره، رفض الحذاء. فضّل أن يكمل طريقه حافيا. هذا ما أغاظ الجندي على الحاجز العسكري، دفعه بعيدا بركلة، جهز سلاحه، وأطلق النار وراءه وهو يقول “عد إلى غزة أيها الغبي.. كلكم أغبياء”.
لم يكن الرصاص مصوبا تماما عليه، لكنه استمر بالركض إلى أن وصل أرضا زراعية، كان حلقه قد تحول إلى صحراء أخرى، استعان ببطيخة غزاوية، لم تكن باردة، أخذها من الأرض الساخنة بفعل شمس حزيران إلى حلقه مباشرة، كان ذلك كافيا كي يعود إليه ريقه ونفسه.
مشى بعدها بضع كيلومترات بين الأراضي الزراعية إلى خزاعة، أكل التوت وفواكه أخرى، استعاد شيئا من عافيته، وحاول أن ينسى ما جرى دون جدوى.
***
ظهيرة يوم سبت بعيد من صيف عام 2006، دخلت قوات عسكرية كبيرة إلى خزاعة الحدودية، كانوا يبحثون عن شاليط أو معلومة تقودهم إليه، أخذوا كل شباب البلدة، أغمضوا أعينهم، نقلوهم بشاحنات مخصصة للبضائع إلى موقع كرم أبو سالم، تركوهم في ساحة مكشوفة ساعات طويلة.
هناك أجبروا على خلع ملابسهم كاملة، وزعوا عليهم لباسا موحدا، شفافا خفيفا مثل ورق، ربطوا أيديهم خلف ظهورهم، ثم بدأت جولات التحقيق الذي دار على الجميع دورتين أو أكثر.
في العراء كانوا، وكانت الشمس تحرقهم نهارا، أما الليل فكان باردا بما يكفي ليسرق النوم من عيونهم. أحضروا لهم الأكل ولم يأكل، طلب ماء فصب عسكري ماء ساخنًا على صدره مباشرة، وضحك. وعندما جاء دوره في التحقيق، سألوه فلم يُجب، ضربوه، ولم يكن ذلك مجديا، لأنه ببساطة لا يملك ما يقوله. تغير الأسلوب، أحضروا له الماء، شرب حتى ارتوى، قال المحقق “ماذا تريد أن نفعل بك؟” أجاب “عندي امتحانات آخر الفصل رجعوني على خزاعة”.
أعادوه إلى الساحة، دار التحقيق على جميع الشبان، ثم جاء القرار العسكري بعد ليلتين من الانتظار في العراء. وصلت حافلة زرقاء مهترئة إلى ساحة الموقع، نادوا على سبعة شباب، تحركت الحافلة، جاءت حافلة أخرى نادوا على من تبقى من الشباب.. تحركت.
بقي مسعود وحده في الساحة، لم يكن له اسم في الكشف الأول، ولم ينادوا عليه في الكشف الثاني. وقف وحيدا في الساحة، أحس بأنه حكم بالإعدام وحده، لكنه لا يعرف شاليط ذاك الذي يبحثون عنه، ولم يكن قد سمع اسمه إلا في نشرات الأخبار. تقدم جندي إليه، اصطكت ركبتيه، لكنه صمد وظل واقفا أمامه، لماذا أنت هنا؟ لم تنادوا عليّ أجاب وكأنه لا يكترث بمصيره، ما اسمك؟ قال الجندي، ثم عرف أن اسمه سقط سهوا مع من صعدوا إلى الباص الثاني.
سنعيدك إلى غزة، قال له. فرح قلب مسعود.
***
اليوم يتذكر ما جرى، وقوفه وحده في الساحة، يد صديقه خالد تلوح له من بعيد وقد ورد اسمه مع من صعدوا إلى الباص الأول. نسي خوفه للحظات عندما صرخ خالد “دير بالك ع حالك” ثم انطلقت الحافلة باتجاه الطريق الصحراوي، وشقت الهواء والغبار. كان ذلك لقاءهما الأخير. خالد أطال الغيبة في المعتقل، عشر سنوات كاملة كان مسعود قد غادر خلالها قطاع غزة. ثم انقطعت أخبار خالد واختفى عن الأنظار في اليوم الثاني لخروجه من السجن، وصارت حكايته تتواتر على ألسن الناس، لقد تحول إلى عفريت لا يراه أحد، يقولون إن المقاومة أوكلت إليه مهاما تتطلب غيابه الطويل ذاك، آخرون قالوا إنه غادر غزة على متن قارب صغير. مسعود لم يصدق تلك الحكايا، ظل ينتظر خبرا حقيقيا عن صديقه حتى شاهده الناس عائدا من مستوطنات الغلاف بسلاحه يوم السابع من أكتوبر.
تتسع الحرب جنوبا اليوم، يتابعها مسعود لحظة بلحظة وكأنه لم يغادر غزة يوما. يتوعد الاحتلال خزاعة، يتعاظم خوفه، قصفت “إسرائيل” كل تفصيل في ذاكرته، بيته ومدرسته وحارته وأرض والده، وخطف القصف أرواحا كثيرة أحبها، لقد أحس بكل ذلك الألم وبقي واقفا، يسأل عن أمه أولا، هل ما زالت تصنع الخبز في خيمتها؟ يجيبون نعم ويرسلون له صورة كلما توفر الانترنت صدفة في رفح، فيقول المدينة لم تمت. ثم يسأل عن خالد ورفاقه؟ فلا يتوقف حديث الناس عن قصص بطولاتهم وكأنها خيال لا حقيقة.. فيقول “غزة ليست بخير لكنها عنيدة ولا تقبل أن تموت وحدها”.
عن «حكايا غزة»