اللوحة: الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي
دعاء صابر

في يوم قمنا أنا وثلاثة آخرون من أصدقائي باستدراج “حسونة” الشاب الأبله في شارعنا، لم يكن استدراجه صعبا على أية حال فقد أغريناه بسيجارة “فَرْط” ففَرَّط في نفسه
جلسنا جميعا على رصيف الشارع ننظر إليه وهو ينفث دخان السيجارة فرحنا نتبادل معه الكلمات ثم نضحك على رده الذي لا يتغير
• إيه رأيك في الناس يا حسونة؟
• دبان
• طب إيه رأيك.. في الشيوعيين؟
• دبان
• المسلمين
• دبان
• المسيحيين
• دبان
• عبد ربه البواب
• دبان
• طب محمد اللي اداك السيجارة
• دبان
• إيه توجهك يا حسونة؟
• دبان
اسأل حسونة عن أي أحدٍ يُجبك ب”دبان”، كنا نضحك بصوت مرتفع عندما سأله عصام صاحبنا
• طب إيه رأيك فيا يا حسونة؟
• دبان ابن دبانة
هنا استشاط صاحبنا غضبا وقام يمسك بتلابيب حسونة فقمنا بتسليك الأخير من يده بسرعة قبل أن نرسله بعيدا ليذهب إلى حال سبيله
• إيه الي انت عملته ده يا عصام؟ هو انت بتاخد على كلامه يعني!
• غاظني! ليه يقول على أمي دبانة!
قلت مهدئا: يا سيدي ماهو بيقول على الناس كلهم دبان اشمعنى والدتك يعني!
• دي حسيته قاصدها
رحل صديقنا عصام وترك ثلاثتنا نتأمل أثره بشرود.
عصام صديقنا لديه مشكلة مزمنة مع والدته السيدة زُهرة، في الحقيقة اسمها ليس زُهرة ولكن الناس أطلقوا عليها ذلك الاسم تيمنا بمسلسل “زُهرة وأزواجها الخمسة”، ذلك لأنها تزوجت خمس مرات.. ولكن مشكلة تلك الزيجات لم تكمن في عددها..
تلك السيدة كانت متزوجة في البداية من والد عصام، كان الرجل قاسيا لدرجة لا تطاق، كان وغدا حقيقيا ليس على مستوى أم عصام فقط، ولكن على مستوى الشارع والبلدة كلها!
لذلك لم يكن من الصعب أن نتخيل أن أحد أعضاء نادي كارهي السيد “صقر” -وكان ذلك اسم العائلة – سيسعى نحو تخليص البشرية منه بطعنة نافذة.
مات السيد صقر أو “صقر الأول” كما أسميناه فيما بعد، لتتزوج والدة عصام بالعم؛ السيد “صقر الثاني”.
العم لم يختلف في شيء عن الأب، وكأنه كان يسعى إلى تخليد سيرة أخيه العطرة بتكرارها!
بالرغم من ذلك دفع التجديد عم عصام لتجربة الهيروين، فألقت الشرطة القبض عليه، ليس من أجل الهيروين؛ بل من أجل وصولات الأمانة التي كان يأخذها عليه التجار الذين يستدين منهم كي يشتري الهيروين.
أودع عم صام “صقر الثاني” مصحة سرعان ما هرب منها ولم يعرف أحد طريقه، فاستصدرت أم عصام أمرا من المحكمة بالخلع، سرعان ما ظهرت بعده جثة زوجها هائمة في النيل.
بعد عدة سنوات تقدم لخطبتها ابن عم والد عصام.. “صقر الثالث”.
رفضت والدة عصام لتتمسك بشخص آخر كان قد تقدم لخطبتها في نفس الفترة، لتفاجأ بال”صقر الثالث” يشيع عنها أبشع الافتراءات فينسحب العريس الذي كانت تتمسك به ويضعها “صقر الثالث” أمام الأمر الواقع.. لن يُربي عصام أحد سوى من عائلة صقر!
تزوجت أم عصام منه بدافع اليأس ولكي تتقي شره، ليكون نسخة كربونية من سالفيه.
لم يمت الصقر الثالث، لكنه رمى يمين الطلاق على والدة عصام غير مرة، فكانت تصر على عدم العودة لذمته إلا بعد كتابة عقد زواج جديد بمهر جديد يدفعه لها أمام المأذون والشهود، ثم يأخذه منها بالضرب في اليوم التالي.
وبذلك تكون أم عصام قد تزوجت خمس مرات من عائلة “صقر” نفسها.
لم أتذكر قصة أم عصام تلك سوى بعد سنين في يوم كنت فيه جالسا على كرسي القهوة أتابع التلفاز مع بقية الناس، وهو يعرض أخبار ارتفاع الأسعار لسابع مرة في السنة نفسها.
• طب وهنعمل إيه؟ كده بيتنا هيتخرب!
• هنعمل إيه يعني، لازم نلم إيدنا في المصاريف شويه
• هي إيدنا كانت مفرودة علشان نلمها!
كان الناس يتبادلون الحديث حول البدائل الرخيصة الممكن شراؤها، وعن كيفية استبدال اللحوم والدواجن بالبيض، عندما أذاعت النشرة أخبار ارتفاع أسعار البيض، فتبادل الناس طرق استبدال البروتين الحيواني بالنباتي، لتذيع النشرة بعدها خبر غلاء الحبوب.
• يعني نجيب بديل تاني منين دلوقتي!
عندها علا صوت حسونة الجالس على الأرض في الزاوية وهو يصرخ فينا بحنق: يا ناس دبان! يا ناس دبااان!
ليمتعض منه الجالسين فيطرده صاحب القهوة.
في تلك الليلة عدت للبيت وأنا أتذكر عصام ووالدته ووجه حسونة الممتقع وهو يصرخ فينا، لاحظت زوجتي شرودي وتساءلت عنه فأخبرتها
• يييييه! يادي حسونة وسنين حسونة!
• ليه بس فيه إيه؟
• النهارده جوز عفاف جه يصالحها علشان غضبانه
• كالعادة
• وشرطت عليه ماحدش من أهل البيت يتدخل في شئونها ولا يخش شقتها ولا
تعمل أكل لحد
• قديمة
• وبعد ما باس على راسها ونزلت وياه استلقاهم تحت سي زفت ده وفضل ماشي وراهم يزفّ عفاف ويقولها يا دبانة يا دبانة!
• أنا مش عارف عفاف أختك دي هتعقل امتى، تَلَت سنين على نفس الموال، أهل جوزها يفضلوا رايحين جايين يضايقوا فيها، تسكت تسكت وتيجي آخر الشهر تغضب، ييجي جوزها يصالحها تدمع دمعتين وتُشْرط شرطتين وتقوم راجعه، وأهو مسلسل وبيتعاد
• يعني انت عايزها تخرب بيتها يعني؟!
• لا! عايزها تشوف حل لمشكلتها من الآخر، عمرها جربت مرة تقوله مش راجعه معاك إلا لما تاخدلي شقة لوحدي؟ ماحصلش ومش هيحصل!
• ما طبعا مش هيحصل، مانت شايف حالهم، يا دوب مكفيين نفسهم!
• قصدك مكفيين البيت! ماهو أهل البيت طالعين نازلين ياكلوا على قفاهم! تعرفي، أختك لو عزّلت في شقة لوحدها ولو إيجار، هتحوّش تمن شقة بالفلوس الي بيجيبوا بيها الأكل والشرب الي بيلهطوه أهل جوزها اللي في البيت!
• ما خلاص يا محمد هي شغلانة! هو أنا هلاقيها منك ولا من الواد المجنون بتاع الدبان!
• تصدقي، أختك دي شكلها هتطلع دبانة فعلا زي ما الواد حسونة قال!
في اليوم التالي قرب العصر رأيت من بعيد ناس يحملون شخصا لا يبين من الدم الذي غطى جسده، تقدموا به ثم ألقوا جثته على الأرض قرب القهوة وهموا بالرحيل، عندما استوقفهم صبي القهوة
• فيه إيه يا جماعة إيه اللي حصل!
قال واحد منهم: احمدوا ربنا إنها جت على قد كده، أخينا كان هيروح بلاش لولا ولاد الحلال نجدوه، قولوله بس يبعد عن السياسة علشان اللبش
قمنا جميعا نتفقد “أخينا” لنجده حسونة!
لقد سار الفتى نحو اجتماع إحدى الأحزاب وراح يهتف بالدبان حتى أثار غيظهم فأوسعوه ضربا.
التقطنا حسونة من الأرض وحملناه إلى عيادة الطبيب
• خيط يا دكتور، والمكسور جبسه
هكذا قال صبي القهوة ببساطة بعدما وضعنا حسونة فوق السرير أمام الطبيب الذي نظر لحسونة ذاهلا
• لا يا راجل! ما تيجي تلبس البالطو وتقعد مكاني مدام الحكاية سهلة كده!
ضمد الطبيب الجراح بما هو متاح بعدما رفض حسونة تكبد عناء إجراء صور الأشعة الضرورية قائلا بلا اكتراث
• أنا دبان
حملوه إلى حيث يسكن في بدروم إحدى العمارات ثم تركوه في الغرفة، صوت أنينه من آلام جسده جعلني أصر على البقاء معه بعض الوقت.
كانت الغرفة صغيرة جدا وخالية من كل شيء تقريبا، سوى من نافذة زجاجية كبيرة وصناديق ورقية مكدسة في إحدى الزوايا.. حدثته برفق
• حسونة انت عايش ازاي؟
• زي الدبان..
بقيت بجانبه نحو ساعة إلى أن غط في النوم ثم قمت.
في الصباح أُذيع الخبر…لقد مات حسونة.
حزنت عليه بشدة حتى أن زوجتي لامتني
• هو يعني كان من بقية أهلنا علشان تنكد على البيت كله لاجل خاطره!
لم تفهم زوجتي السبب الحقيقي وراء حزني على حسونة…ولا حتى أنا.
في الأيام التالية ترددت على غرفة حسونة عدة مرات، دفعني الفضول لفتح الصناديق المكدسة في الغرفة، لأفاجأ بها مليئة بكتب لم أسمع بها من قبل، تناولت أحدها وتأملته فإذا به كتاب تاريخ، بالبحث تبين أن الكتب جميعها كتب تاريخ! كنت أفكر فيما رأيت عندما مر بخاطري أن أسأل صاحب القهوة
• حاج بركات، انت تعرف حاجه عن أصل الواد حسونة؟
قال بأسى: أيوه، الله يرحمه…كان خطّاط
• خطّاط؟!
• أيوه، كان خطّاط واسمه حسن، كتب يافطات محلات كتير هنا وفي شوارع تانيه، واشتغل في الكُتّاب شويه مع الشيخ عبد الحفيظ والشيخ كان عاجبه دماغ الولا فقاله هتوسطلك تدي دروس تاريخ للعيال بتوع التمهيدي، وقام اداله كام كتاب تاريخ كده يقراهم على أساس يشرح منهم للعيال.. بعدها بفترة بدأ يبقى مبلّم كده وساكت، وشويه وبعد عن الناس كلهم، بعد مدة ظهرت على لسانه كلمة دبان دي، وبقى الي رايح والي جاي يقول عليه دبان.. لا حول ولا قوة إلا بالله.
وضرب الرجل كفا بكف
• بس مش غريبه شويه الحكاية دي؟ يعني شوية كتب تجننه بالشكل ده!
• والله يابني مانا عارف الكتب دي كان فيها إيه، فيه ناس بيقولوا إنه جاب كتب سحر وقراها فصابته لعنتها، عموما بعد اللي حصل الشيخ عبد الحفيظ حرّم على العيال تقرا حاجه غير المصحف.
أهو الحنين لحسونة أم الفضول.. لا أعرف.
المهم أني استأجرت غرفته من صاحب البيت الذي كان يؤويه في تلك الغرفة نظير تنظيفه للبناية، فأصبحت أقضي مع الكتب فيها وقتا ليس بالقليل.. إلى أن جاء يوم استقرت فيه ذبابة فوق النافذة الزجاجية، تذكرت فجأة حسونة وكلمته التي كان يرددها دوما، تركت الكتاب وقمت لأفتح النافذة قليلا لكي تخرج الذبابة، ثم عدت إلى مكاني.
بعد قليل رأيت الذبابة وهي ما تزال موجودة، وبدلا من أن تخرج من فتحة النافذة إذا بها تضرب رأسها بالزجاج محاولة الخروج من خلاله غافلة تماما عن تلك الفتحة الكبيرة في جانبه.
فضحكت من فعلتها.. ثم نزل عليّ أمر كالصاعقة!
رفعت رأسي بسرعة أنظر إلى الذبابة
• لا! لا مش معقول!
قمت واقتربت ببطء نحو النافذة ثم فتحت الزجاج أكثر.. لم تتحرك.. تأملت الخارج ثم عدت أنظر إليها غير مصدق لأرى كتابة حمراء فوق الزجاج لم ألحظها قبلا، كُتِبَت بعناية بخط النسخ
(اخبط دماغك في حديد القضبان، دماغك تنفلق والحَدّاد يمدّ بيبان
طول مانت ما تشوف.. المفتاح ما هيبان، وهتَّنَّك تخبط في راسك زي الدبان)
تراجعت بعيدا عن النافذة ذاهلا..
الذبابة! تلك الذبابة.. يا إلهي!
• احنا دبان!!