وعجبي على الناقد المحتار

وعجبي على الناقد المحتار

اللوحة: الفنان الإنجليزية بريدجيت تيتشينور

أتذكر في الثمانينيات من القرن العشرين، تمثيلية إذاعية بعنوان “عجبي” بطولة (حسن عابدين وخيرية أحمد)؛ تنتقد غَزَارة القضايا المرفوعة من النقابات ضد الأعمال السينمائية، ويدور حوار بين المخرج والمؤلف عن الشخص الشرير والفاسد في الفيلم: 

– طبيب شرير!.. لا بلاش… سوف تَهب نقابة الأطباء برفع قضية تشهير.

– مهندس فاسد!.. ما ينفعش… سوف تسارع نقابة المهندسين برفع قضية تشهير.

– محامي ألعوبان! هههه هو احنا مجانين، دول يجيبوا لنا إعدام.

– حِرَفي.. ساعي بريد.. عامل نظافة.. موظف الخ.. 

بلاااش.مش عايزين مشاكل، فلكل مِهنة نقابتها الغيورة والمشاكِسة.

وفي النهاية يُنتج الفيلم والشخصية الشريرة بلا اسم ولا مكان ولا ألف لام تعريف.

أما الذين يمارسون النقد اليوم في أي مجال؛ فلهم معاناتهم الأشد، فالفيلم يَستغرق عاما وربما أعوام كي يتم إنتاجه، بينما الناقد والمفكر يكتب مقالا يوميا أو أسبوعيا، فكيف يكتب وينقد ويقترح تغييرا بلا وجوه وملامح ووظائف وشُخوص!، الأولوية في الحَذَر من السياسة وما يَمَس الحُكم، احترم نفسك ولا تتحدث في السياسة وإلا!، أما الكلام في الدين ومخاطبة شعبنا المتدين من المسلمين والمسيحيين؛ يا ويلك ويا سواد ليلك، هناك حَصانة لعشرات الآلاف من الشخصيات التاريخية والمعاصرة؛ مستحيل أن تُخطئ أو تَضْعف، فهي العقل والحكمة والضمير على طول الخط، هناك حَصانة لملايين الأحداث التاريخية والمعاصرة؛ التي لا بد أن تكون صائبة وخالصة النية وسليمة الضمير وعبْقرية، هناك حصانة للعقائد (أو ما تم ضَمّه للعقائد) والفقهيات والتاريخيات والطائفيات، أما الكلام عن التاريخ فإياك أن تقترب من الخلافة والدول والزعامات وأفعالها وأقوالها، أما الكلام عن الفلسفة والفلاسفة والغرب فهو ضلال وافتتان بالخواجة والصَليبي، أما التشدق بمواويل التسامح الديني والمواطنة والدولة القُطْرية فهو شَقْشَقة المُسْتسلم والخانِع.

كل هذا عبارة عن رياح عكسية أو مَطَبَّات حادة وشاقة، فالطبيب والمحامي والمهندس وكل متخصص لا يُسأل عن قراره، وتُحترم كلمته ودراسته، أما الناقد اليوم فمسكين؛ (يبيع المية في حارة السقّايين).

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.