وفاء نادر

وفاء نادر

هيام علي الجاويش

اللوحة: الفنان الفلسطيني عماد أبو اشتية 

جلست في حديقة السجن إلى جانب طفلها تنتظر رؤية وائل، أبوه وأخوه ذهبا لتقديم طلب الزيارة، بعد أن قال لها أخوه بطريقة خالية من اللباقة: انتظري هنا ولا تقتربي حتى نومئ لك، أو يأتي أحدنا ليأخذ الطفل الى أبيه. فكرت.. نعم هكذا إذا، سنتان وهي تنتظر أن تراه لتعرف منه شيئاً، وها هي قد أصبحت غريبة عنه. تذكرت آخر تفاصيل في يومها الاخير معه والليلة السابقة لهذا اليوم. اتصلت على الأرضي وبادرت بالكلام قائله: اليوم عيد ميلادي، لا تقل لي إنك لست بقادم، فأتاها الرد من أحدهم آسف سيدتي لست أنا، وليس هنا، وأغلق الخط، رنت على جواله لكن لم يجب أحد. بعد حوالي السنة أتى أخوه ليقول لها لقد علمنا أين هو، ربما نذهب غداً لتقفي أخباره ونعرف تهمته. سنة أخرى، سمح لهم بزيارته. اتصلت بأخيه لتسأل عن يوم ووقت الزيارة كي تأتي عندهم ويذهبوا معا، لكن الرد جاء بارداً.. ليس هناك من داع، فقد طلقك، وطلب منا أن نبلغك هذا، واذا أردت الذهاب معنا تعالي في مثل هذا اليوم من الشهر القادم الساعة التاسعة، فقط ليرى الطفل. وها هي تنتظر، بعد أن فرغ الأب والأخ من العناق وتبادل كلمات التعاطف والمواساة, أقبلت مع طفله، دون انتظار إذن من أحد، احتضن الطفل بقوة وحياها من بعيد، نظر وائل إلى وجهها الشاحب والى عينيها اللتان لم تتذوقا طعم النوم لأيام وربما على مدى السنتين، والمنتفختان من البكاء المتواصل, ابتسم اليها متكلفاً ونظر بخجل وارت باك ودعاها للجلوس على الأرض بجانبه. قالت: هل قسوت وتحجر قلبك لتطلقني؟ اخفض بصره وقال: وهل كنت تتخيلي حبيبتي، أن اسجنك معي، وهل أصبح لدي طاقة للقسوة أو اللين بعد كل ما حدث؟ أجابته: لكن ما الذي حدث معك وما هي أسباب إقامتك بهذا المكان الموحش؟ اسمع يا وائل في الحياة مطبات كثيرة علينا أن نقاوم ونخرج منها لا أن نلقي التراب فوقنا. قاطعها وقال: لن أكون أنانيا، فقاطعته، لا أفهمك من كان لديه القدرة على التخلي يكون أنانيا بالطبع. 

في الليلة السابقة ليوم الاعتقال دار الحديث التالي: سألته ما بك؟ أجابها.. لا أدري يا نور فأنا أشعر بطبعة حذاء الأجنبي على جبيني، ثم أنشد مقطعا من القصيدة التي يحبها: 

لست خجولا أن أصارحكم بحقيقتكم 

إن حظيرة خنزير أطهر من أطهركم 

تتحرك دكة غسل الموتى، أما أنتم، 

لا تهتز لكم قصبة.. 

أولاد قراد الخيل كفاكم صخبا.. 

خلوها دامية في الشمس بلا قابلة.. 

ستشد ضفائرها وتقيء الحمل عليكم 

على عزتكم.. 

على أصوات اذاعاتكم. 

قالت له نعم.. دعك من هذا حبيبي.. في تلك الاثناء رن تليفونه، أجاب وخرج ومن وقتها لا تعرف ما الذي حدث معه، كررت السؤال.. ما الذي حدت يا وائل ولماذا طلقتني؟ تجاهل السؤال الأول وأجاب على الثاني، ليل السجن طويل يا نور فما ذنبك أن أظل متشبثا بيدك وتغرقين معي، قالت بلين لكنه قدر الله هل تقاوم قدر الله، دعني أحمل معك وعنك. أجابها.. سوف تعيشين زهرة عمرك في الشقاء لا بد أن أكون عاقلاً، حبي لك هو الذي دفعني لطلاقك… فأجهشت بالبكاء وهي تقول: أراك يا وائل قد ضممت جناحيك في السجن وتعد نفسك لليل طويل, لا بد أن أكون نورك في مكان لا نور فيه، ارتعش ثم اطرق رأسه ليخفي ألما عميقا.. تابعت إنني أتألم فوق طاقتي ارحم نفسك وتراجع عن هذيانك، رد عليها هل تعلمين أن هذا القرار سيجعل حياتي في السجن محتملة، لأنني سأتولى أمر نفسي لن أكون سجينا مضاعفا سجني وسجنك، تزوجي رجلا يكون عطوفا واعتني بابننا، جحظت عيناها وقالت: حياتك محتملة إذا لهذا طلقتني!. كي تتهرب من الالتزام… اسمع إذا أصبت بمرض وأقعدك هل تتخلى عني واتخلى عنك كي لا اعيش ألما مضاعفا؟ والذين يسافرون إلى بلاد أخرى للعمل فهل يتخلوا عن زوجاتهم أو هل تتخلى زوجاتهم عنهم؟ ثم أن الله قال لا يقنط من رحمتي الا القوم الكافرون، ساد صمت حائر ثم غير وجهة الحديث بقوله: هل الولد بصحة جيدة؟ تجاهلت سؤاله وقالت: اعلم انني لن استسلم لجنونك وسأزورك باستمرار احمرت عيناه وانتفخت وقال بصوت مخنوق. هل الولد بصحة جيدة، خرجت عن طورها وقالت: نعم إن البغال عندما تأكل تكون بصحة جيدة ولكن اسأل عن الصحة النفسية عندما يكبر ويربى دون أب أو ذكرى أب، أتشفق أن اتحمل بعدك ولا تشفق علينا ان نكون في الحياة دون امل وماذا اقول له حين يكبر هل أقول له: ابوك مجرم لذلك تركته واستعرت لك أبا أقل أجراما ام أقول: ابوك نبيل لم يعذبني معه؟ عندها سيقول لي لماذا لم تكوني نبيلة؟ وتقفي إلى جانبه في محنته؟ أم هل تريد مني أن أعلق لافتة على ظهري واكتب طلقني لأنه يحبني؟ أو إني أنا من طلب الطلاق لأن سجنه طويل؟ لا يا وائل، ثم لانت لهجتها وقالت: سأسألك سؤالا: لو كان ابني في محنة هل ستطلب مني أن أتخلى عنه؟ بالطبع لا لأنه قطعة من القلب، وقطع القلب لها تبديل، وأنت قطعة من الروح وقطع الروح ليس لها تبديل.. الحياة ليست وليمة، الحياة كفاح وأنت قدرك السجن، وأنت قدري، سأكون معك في تعبك وسجنك ستقويني واقويك. الحياة ليست بتعانق الأجساد إنما بتعانق الأرواح، هل تطلب مني أن أتزوج رجلا لمتعته وخدمته وأنا لا أحبه؟ أعيش في بيته وفكري وروحي معك، أي يعيلني أنا وطفلي وأنا خائنة له في تفكيري؟ أبدا لا يحق لك ان تأخذ قرارا يخصني دون رأيي، وان تقطع حبلا أسماه الله بالغليظ، وان تبت بأمر، هو ابغض الحلال الى الله دون وجهة ذنب، والذي تفعله ما هو إلا هروب من الحياة ويأس من رحمة الله، وبعد مضي زهوة العمر كلانا يبحث عن متكأ، سنكون سندا لبعضنا ولا تعتقد بأنني أجمد حياتي بل أكرسها لأجلي ولأجلك ولأجل الطفل. فلم يجب لأنه أختنق بالكلمات ولأنه يتألم من أجلها، فنادت على طفلها الذي كان يلهو مع جده فأقبل وسألته.. من وائل يا ولدي؟ أجاب الطفل بما كانت قد علمته.. وائل العدد ثلاثة أولي ولا يقسمه أحد، وماذا أيضاً يا حبيبي ماذا يحب من الشعر، قال الصغير: الذئبة تحرس نطفتها، الكلبة تحرس نطفتها، النملة تعتز بثقب الأرض. 

بكت وضحك وضم طفله وضمها. وقال: سأقوى بكما. فقالت: سنقوى بك، نحن معك وأنت معنا في كل مكان حتى ولو كنت وراء القضبان. واطلب ما شئت وانتظرنا في الشهر القادم لزيارتك، ودخلت معه في سجنه الطويل. أصبحا معا بالسجن هو بسجنه الصغير وهي بسجنها الكبير، مقيدان، هو بقيد السجان وهي بقيد ولدها ونفسها. أما إن الحياة مواقف وخيارات وليست مكسب أو خسارة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.