اللوحة: الفنان الفلسطيني حنّا كعبر
ناداني عبد الحميد زيدون من نافذة غرفته في الطابق الثالث، التي تطل على الشارع الرئيس، الوقت تجاوز العشاء بمدة بسيطة، أعمدة الإنارة ما بين مطفأ ومنير.
لم يخرج الكهل من بيته منذ فترة بعيدة، لا يربطه بالعالم إلّا حبل غليظ وسلّة من الخوص، تمكّنه من قضاء حوائجه، يساعده الناس من بعيد بناء على طلبه.
يقول إنه يخشى على الناس من لهيب يحرقهم إن اقتربوا منه مسافة غير آمنة، عدّد حوادث كثيرة بعضها غامض، وقعت لمعارف وآخرين أغراب عن الحي، منهم من قضى نحبه فورًا، منهم من أصيب بعاهة لازمته بقية حياته.
يقسم عبد الحميد أن لعنة القُرب منه أصابت هؤلاء وستحلّ بمن تراوده نفسه وتبحث عن هلاكها إن فكّر في الوصال.
نادى بصوته المميّز وهو يرمقني بعينيه الحادتين: يا هذا
فلمّا رفعت رأسي إليه مستفسرًا!
قال بلهجة تحذير: احذر من العسس، يملئون المكان، ينتشرون كالنمل في كل زقاق وحارة.
قلت: ليس لديّ ما أخشى عليه منهم، لا ثمن لي في هذا البلد لكي يقايضونني عليه.
زادت لهجته حدّة، صاح: سيتربصون بك، سيختلقون لك ما لم تفعله.
قلت: لن يصدقهم أحد.
ردّ يقاطعني بجفاء: الكل سوف يصدقهم، جميع من تفضّلت عليهم من قبل بمعروف أو حتى بكلمة طيبة ألقيتها عليهم ذات يوم.
بحنق وقد بلغ الغضب بي مدى بعيدًا من حديثه المرّ: لا أحد يكرهني هنا.
قال بودّ وقد خفّض من نبرة صوته كأنما يخشى أن يسمعه أحد غيري: محبّتهم لم تتجاوز حناجرهم.
قلت: تخيفني بكلامك هذا، فهل تسمح أن أصعد إليك لكي تزيدني إيضاحًا وتفسيرًا؟
بهلع وخوف: لا، ستحترق بنيران لعنتي.
قلت: مغامرة أتحمل عواقبها، أعلن مسئوليتي عنها على الملأ.
وقبل أن يعترض كنت أركض المسافة الفاصل بيني وبين باب البيت، ثم أصعد السلم كل ثلاث درجات في خطوة واحدة قفزًا.
فلمّا اقتربت من باب شقته، استقبلتني لفحة ساخنة أطاحت بهدوئي، تبعتها نيران كثيفة أحاطت بي من كل مكان، فلا مهرب للفرار، لا أمل في التقدم للداخل.
عندئذ ارتفع صوت الرجل ينادي على أحدهم، كان يمر بالجوار، يحذّره مغبة الاقتراب: أنت يا هذا.
ثم ينبهه من خطورة الارتماء في أحضان العسس.
كنت في كرب عظيم، تشتعل أطرافي، يذوب وجودي ببطء شديد، بينما صوت الرفيق يجادل، يصرّ أن يخوض التجربة على مسئوليته.
