ابن العازة “عُكّازة”

ابن العازة “عُكّازة”

اللوحة: الفنان الروسي إيفان جوروخوف

شهربان معدّي

لم تكن السّيدة أم وحيد، امرأة عادية، بل كانت امرأة استثنائيّة في كلّ شيء، ليس لأنها ابنة المُختار الأخير الذي حكم القرية قبل مجيء اليهود فحسب، بل لأنها الابنة الوحيدة الناجية من الأمراض الوبائية التي أجهزت على غالبية أطفال القرية، والتي اختطفت أخوتها الثلاثة الذين كانوا أصغر منها  سنّا، وبسبب ذلك أصبحت مُدلّلة والديها دون مُنازع، بل الأُكسجين الذي يتنفسان، والوريثة الوحيدة عشرات الدونمات من أشجار الزيتون، والحواكير، بالإضافة للعقد الحجريّ الكبير الذي بُني بأشكال هندسيّة عريقة، وكان مضافة القرية، المُشرّعة أبوابها للقريب والبعيد، ولكن كلّ ذلك لم يجعلها امرأة استثنائية، كقوّة شخصيتها، واتقانها كل مهارة مطلوبة منها، كانت كلّ أصبع شطارة، كما يقولون بالعاميّة، أجادت الطبخ في الأعراس والتطريز والحياكة، وبالرغم انها ابنة الأكابر، ولكنها بذكائها الحاد وفطرتها السليمة لم تتنازل عن شيء من مهارات ذلك الزّمان، حتى مهارة صيد الحجل ونصب الفخاخ، أتقنتها، أسوة أترابها الذكور من أولاد العائلة، وكانت عوضًا لأهلها عن الصبي الذي لم يحظوا به.

ولكنها لم تتوفق في زواجها الذي باركه كلّ أهل القرية، حيث كان حظّها قليلا في خلفة الصبيان، وأنجبت وحيدها وحيد على رأس سبع بنات، وإن رضيت بذلك؟ فعلى قولة المثل؛ سراج بيضوي على مدينة.

وكان له حصّة الأسد في كلّ شيء، فهو الذكر الوحيد الذي سيحمل اسم العائلة، وتحقّ له الورثة الدسمة التي ورثتها عن والدها.. وقد قامت بتربيته برموش العين وماء القلب، وأغدقت عليه كلّ حنانها وعواطفها الجّياشة، في الفترة التي كانت تتذمر من تربية سبع بنات، وكانت تعلنها على الملأ “همّ البنات للممات”.

كانت حائرة كيف ترضيه؟ ولو طلب حليب العصفور لجلبت له، رغم معارضة زوجها الذي أراد أن يربيه تربية رجال، بكل ما تحتويه هذه الكلمة من معانٍ ومسؤوليات، ولكنه لم يستطع الوقوف أمام زوجته الغنية، صاحبة الأملاك الشاسعة، والبيادر الخصبة، وذهبت كل محاولاته أدراج الرياح، فنشأ وحيدًا، صبيًّا نرجسيًّا، حاد الطبع، شرسًا، يضرب أخواته مع سبب وبدون سبب، وكان ذلك أحلى من العسل على قلب أمه، فهو رجل ويحق له أن يفعل كلّ شيء..

ورغم تذمر الوالد والبنات، من تقصيرها في معاملتهم، استمرت الوالدة في دلالها لوحيد، وكأن كلّ مباهج الحياة خُلقت له، ومن أجله، وكان شغلها الشاغل، رفاهيته وسعادته، حتى زوجها الذي لم يبخل عليها بشيء، من ماله وعواطفه، وكرم أخلاقه، أهملته من أجل ابنها غليظ الذهن، خشنِ الطباع.. الذي قرّرت أن تزوّجه وهو دون العشرين من عمره، قولة المثل الشعبيّ، زوّج الولد بجيب ولد، فهي لا تريده أن يبقى وحيدًا، بدون ولد ولا سند.

وكان عرسه مثل العيد، بل أسطورة في ذلك الوقت، سنوات السبعينيات، الذي كان فيه المجتمع القرويّ يحبو رويدًا رويدًا نحو المدنية، ليتحول من مجتمع زراعيّ، فقير، لمجتمع متمدّن، بفضل مجيء دولة إسرائيل التي فتحت الأسواق والمتاجر الكبيرة في المُدن، ودعمت المصالح الصغيرة في القرى، ورفعت مستوى المعيشة، ودفعت رسوم التأمين الوطنيّ للعائلات المُباركة، مع فرض التأمين الصحيّ على كلّ سُكان البلاد، حتى أصبح الناس مثل “المفتّح في بلاد العميان” يركضون وراء الكماليات، والرفاهيات، دون أن ينتبهوا لأراضيهم التي صودرت في الخفاء، على يد سماسرة الأراضي، مقابل حفنة ليرات حديديّة بائسة، ومعها صودرت أراضي بطلتنا المشغولة بابنها وكنّتها وأولادهما، وكأنه انقرض كلّ سكان الكرة الأرضية؟ ولم يبق في الدنيا، سواهما..

مرّت الأيام بخطى سريعة، بعد أن زوّجت ابنها وبناتها السبع، فالأيام لا تنتظر أحدًا.. ولكن رحيل زوجها المغلوب على أمره، شريك عمرها الذي أهملته كثيرًا، لم يهزّها.. ولم يخِفها كونها أصبحت أرملة، أو تعبأ بوحدة الشيخوخة، فهي لا تحمل همّ شيء ما دام وحيدها، حيًّا يرزق، وبيت رجال ولا بيت مال، والحمد لله، أنّ الله عوّضه بثلاثة صبيان ملأوا لها كلّ حياتها..

ولم يزعجها أنّ وحيدًا وزوجته حوّلاها لحاضنة أطفال، فهي كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات كثيرة، وعندما كانت بناتها يحاولن التدخل، ويطالبن أخاهنّ بتخفيف الأعباء التي فُرضت عليها، كانت تزجرهنّ قائلة: 

– كفاكنّ غيرة وحسدًا لا يوجد عندي في الدنيا أغلى منه!

وعندما بدأ يبيع بالأراضي القليلة الناجية، أغمضت عيونها ولم تتجاسر على فتح فمها وتجاهلت الأمر، بل دافعت عنه بحجة أنه يحق له أن “يشمّ الهواء” في بلاد برّة اسوة بباقي أصدقائه..

سقطت من عينها دمعة كبيرة، عندما نظرت في المرآة الصغيرة المعلّقة بجانب سريرها، ليس بسبب التجاعيد العميقة التي حفرها الزمان في تقاسيم وجهها الجميل، والذي تغيّرت ملامحه كثيرًا، ولا بسبب صفحات عمرها التي تمزّقت، ورقة تلو الأُخرى، دون أن تشعر، ولا بسبب أرضها التي ضاعت وحرمت منها بناتها اللّواتي لم يقصرّن في خدمتها حتى آخر لحظة، رغم معاملتها الفظّة لهنّ، ولكن بسبب إصرار ابنها الّذي لم يقدّر جميلها، ولا فضلها عليه، أن يضعها في بيت العجَزة، بعد خروجها من المستشفى الحكوميّ، بعدة أيام، عقب انكسار عظام حوضها وهي تعدو وراء ابنه الصّغير، وأصبحت بين ليلة وضحاها؟ ضيفة ثقيلة الظلّ في بيتها الكبير..

رأي واحد على “ابن العازة “عُكّازة”

  1. العزيزة شهربان
    من القسوة “الشديدة” مقابلة الإحسان
    بالإساءة والنكران
    وجحود الحب وكل المشاعر النبيلة!
    إلهي قدرني على عفو من ظلمني
    لأجعل عفوي شكرا وامتنانا لك.
    مودتي

    إعجاب

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.